حمّى الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسريح العمالة.. كيف يوازن غيتس والخوري طرفي المعادلة؟

أخبار الصناعة السورية:

توطئة: يتسارع اليوم انتشار الذكاء الاصطناعي في ميادين العمل، المدن الذكية، المصانع والخدمات، والحكومة الإلكترونية، وغيرها من أنشطة الاقتصاد التقليدي، الإنتاجي، الدائري، وصولاً إلى الاقتصاد الإبداعي. ويعزز النمو الاقتصادي، يحسّن جودة الحياة، ويعيد تشكيل سوق العمل من خلال خلق وظائف جديدة وزيادة المنافسة على الوظائف التي تتطلب مهارات عالية.

في قطاع التكنولوجيا، حيث لا يُمكن رُؤْيتهُ ولا لمسه، يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة داخل الشركات العملاقة التي تستقطب استثمارات مليارية هائلة، وتتنافس على إنفاق مبالغ فلكية لتطوير برامجه، مدفوعة بأرباح قياسية.

مقابل هذا الجانب المضيء أرباحاً خيالية في أرصدة مليارديرات شركات التكنولوجيا، هناك جانب معتم على مستوى المجتمع والخزينة العامة؛ إذ يوسّع الذكاء الاصطناعي الفجوة بين الموظفين ذوي المهارات العالية والمنخفضة، ويضع الأقل تعليماً أمام مخاطر أكبر للتسريح وانخفاض الدخل. هذا يعني تقليص القوى العاملة، تراجع الوظائف الجديدة، وانخفاض إيرادات الخزينة العامة التي تُعد محركاً أساسياً لدورة الاقتصاد وحياة المجتمعات.

خلال الأسابيع الماضية، أعلنت شركات متعددة الجنسيات، مثل: AMAZON- META- UPS  عن تخفيضات في أعداد موظفيها. ومن شبه المؤكد أن انتشار الذكاء الاصطناعي في باقي القطاعات سيدفع شركات أخرى إلى خطوات مشابهة؛ ما يعني أن: “قلة أعداد العمالة، تعني قلة دافعي الضرائب، وقلة موجودات الخزينة العامة”؛ ما يستوجب من صانعي السياسات مُواكبة التغييرات لتحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي، مع التخفيف من آثاره السلبية؛ وهنا يبرز السؤال: إذا حلت الآلات والخوارزميات محل البشر، فهل يجب أن تدفع الضرائب التي كان يسددها العمال المسرّحون؟ وكيف يمكن معالجة هذه الإشكالية؟.

 

استراتيجيات دولية:

في الاقتصادات المتقدمة كالولايات المتحدة، يناقش مسؤولون ومفكرون واقتصاديون هذه القضية ويطرحون حلولاً استباقية. وفي اقتصادات صاعدة مثل الإمارات العربية المتحدة، تُطرح الإشكالية ذاتها مع مقترحات معالجة.

الجميع متفق على ضرورة الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، لكن يختلفون جزئياً حول مواجهة تداعياته السلبية على الاقتصاد، العمالة، الوظائف، السكن، القوة الشرائية، البنى التحتية، والمشروعات الجديدة والقائمة.

تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة تأثير إدخال الذكاء الاصطناعي على العمالة والخزينة العامة، من خلال استعراض وجهتي نظر: الأولى من الولايات المتحدة، للملياردير بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، والثانية من الإمارات العربية المتحدة، للمفكر الدكتور علي الخوري، رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي وأحد أبرز قادة التحول الرقمي في الإمارات ودول المنطقة.

 

علاقة الذكاء الاصطناعي بالعمالة:

تعمل الحكومات بشكل استباقي على تعظيم فوائد الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2017 أطلقت “الخطة الوطنية للذكاء الاصطناعي” وفي نفس العام، أطلقت الإمارات “استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031″، وفي عام 2019 أطلقت الولايات المتحدة “مبادرة الذكاء الاصطناعي”، وفي عام 2021 أصدرت المملكة المتحدة “الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي”. كما أطلقت دول أخرى خططاً مماثلة.

تركز الاستراتيجيات المعلنة – في جانب منها – على دراسة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وسوق العمل، وإقرار حلول مناسبة، نظراً لتأثير الذكاء متعدد الأوجه على الديناميكيات الاقتصادية وسلوكيات الأفراد والشركات.

وقد أعادت أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل الأسواق والصناعات، وأثرت على العمليات داخل الشركات وهياكل الوظائف، وغيرت الطلب على المهارات الرقمية وإدارة البيانات واتخاذ القرارات والإبداع.

ففي الولايات المتحدة وأوروبا، بات ثلثا الوظائف الحالية تحت تأثير الأتمتة والذكاء الاصطناعي. ومن المرجح أن تشهد الاقتصادات المتقدمة تأثيرات أكبر مقارنة بالأسواق الناشئة، بسبب اختلافات في تكوين سوق العمل والهياكل الصناعية. وفي المملكة المتحدة عام 2020، استخدم 42.5% من الشركات الصغيرة والمتوسطة الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل: جمع بيانات العملاء، التنبؤ بالتدفق النقدي، حماية البيانات، الأمن السيبراني، الخدمات القانونية والموارد البشرية.

 

بيل غيتس: ضريبة الروبوتات لتعويض العمالة

في فبراير 2017، خلال مقابلة مع موقع (Quartz) اقترح بيل غيتس لأول مرة فرض “ضريبة على الروبوتات” التي تحل محل العمال، بحيث تعادل العبء الضريبي الذي يدفعه الموظفون المسرّحون.

وأوضح أن الهدف تعويض الحكومات عن انخفاض حصيلة الضرائب والحفاظ على تمويل الخدمات العامة مثل: الصحة والتعليم والبنية التحتية. وقال: “العامل الذي ينتج 50 ألف دولار في المصنع يدفع ضريبة دخل للخزينة العامة، وإذا حلّ روبوت بدلاً منه، يجب أن تُفرض عليه ضريبة مماثلة” مضيفاً “أن الروبوتات ستستولي خلال السنوات القادمة على 50% من وظائف العمال البشر، وأن الحفاظ على مبدأ العدالة الضريبية، يكشف أنه إذا لم يتم فرض ضرائب على الروبوتات، فستتراجع إيرادات الدول بشكل كبير، ويتراجع تمويل كل شيء، بدءاً من المشروعات الجديدة، وصولاً إلى الخدمات الاجتماعية.

واقترح أن تُفرض الضريبة على الشركات التي تستبدل العمالة البشرية بأنظمة ذكية وروبوتات في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية والأعمال المكتبية، وأن تُستخدم الإيرادات لتمويل برامج تدريب وتأهيل العمال المسرّحين، دعم أنظمة الضمان الاجتماعي، والاستثمار في التعليم والتقنيات الجديدة لضمان انتقال سلس لسوق العمل.

 

الذكاء الاصطناعي في الدول الصناعية والمتقدمة والناشئة:

أثار مقترح بيل غيتس جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والسياسية حول العالم، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى نقاشٍ معمّق بشأن الروبوتات. بحث الاتحاد مقترحاً مشابهاً لاقتراح غيتس، ثم رفضه، معتبراً أن فرض ضرائب على الروبوتات يُبطئ الابتكار.

 

في السويد والبلدان الاسكندنافية، التي تتباهى بالحفاظ على حقوق العمالة، رفض دانيال والدنستروم، الأستاذ في معهد ستوكهولم للاقتصاد الصناعي، رفضاً قطعياً فكرة فرض ضريبة محددة على الذكاء الاصطناعي. وبيّن صعوبة تعريف هذه الضريبة بدقة، متسائلاً في دراسة له: “ما هي الأتمتة؟ الروبوتات؟ الذكاء الاصطناعي؟ هل هي شريحة، آلة بشرية، تطبيق، أم برنامج حاسوبي؟” وأضاف: “لن نتمكن أبداً من تعريفه بدقة؛ يجب أن نستمر في فرض الضرائب على ما هو موجود بالفعل: دخل العمل، الاستهلاك، وأرباح رأس المال“.

 

في فرنسا، طالبت لورانس توبيانا، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة المناخ الأوروبية، حكومات الاتحاد الأوروبي بفرض ضرائب على الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة لتمويل العمل المناخي، باعتبار هذه التقنيات تستهلك كميات هائلة من الطاقة.

 

في إسبانيا، أوضحت لوز رودريغيز، أستاذة قانون العمل ووزيرة الدولة السابقة للتوظيف: “نعلم جميعاً أن هناك تأثيراً للذكاء الاصطناعي، لكن من الصعب تحديده كمياً.” ولخّصت قائلةً: “لقد أثرت الموجة السابقة من الأتمتة على التوظيف في منتصف سلسلة الإنتاج؛ بينما يستهدف الذكاء الاصطناعي المُولَّد أصحاب الوظائف الأعلى في السلم، وهي وظائف تتطلب مهارات أعلى وتفكيراً نقدياً“.

 

في ألمانيا، بلد الصناعة المتقدمة والتصنيع الذكي، تدعم الحكومة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى جميع مجالات الاقتصاد والعمل والخدمات. وترى أن فرض ضريبة على الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بسبب تأثيرهما على تسريح العمالة، قد يعيق التقدم التكنولوجي ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الألمانية، ويؤثر على النمو الاقتصادي. لذلك لا توجد حتى الآن ضريبة رسمية على الروبوتات أو الخوارزميات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي.

مع ذلك، ناقشت الحكومة والاقتصاديون والمفكرون فكرة “ضريبة الروبوتات” كحل لتعويض الخزينة العامة عن تراجع الضرائب التي كان يدفعها العمال قبل تسريحهم. إلا أن التوجه العام كان نحو دعم الابتكار، وتحديث النظام الضريبي ليشمل أرباح الشركات الرقمية، وزيادة مساهمات أرباح رأس المال في الإيرادات العامة، والتركيز على برامج إعادة تأهيل العمالة ودعم المتضررين، إضافة إلى توسيع شبكات الضمان الاجتماعي.

وبفضل هذه الرؤية، حققت ألمانيا نجاحات لافتة، وأصبحت رائدة عالمياً في استخدام الروبوتات الصناعية والذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع.

 

في كوريا الجنوبية، دعا كثيرون إلى فرض ضريبة على الروبوتات وأنظمة الذكاء التي تحل محل العمال البشر، بحيث تُستخدم الإيرادات لدعم برامج إعادة التدريب أو لتعويض الخزينة العامة عن النقص في الإيرادات. وكانت كوريا أول دولة تتخذ خطوة جزئية عام 2017، حين قلّصت الحوافز الضريبية التي تقدمها للشركات المستثمرة في الروبوتات، وهو أسلوب غير مباشر من أشكال “ضريبة الروبوتات“.

 

في اليابان، الدولة التي كانت حتى بداية الألفية الجديدة تُعرف بـ”مصنع العالم”، اتخذت مساراً مختلفاً؛ إذ اعتبرت إدخال الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل ضرورة لتعويض نقص القوى العاملة بسبب الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات المواليد.

وقد تعاملت الحكومة مع الإشكالية من خلال أربعة توجهات:

  • تشجيع الاستثمار في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، فالتقنيات ليست تهديداً للعمالة، بل حلاً لمشكلة تناقصها.
  • إطلاق برامج إعادة تأهيل العمالة بمهارات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، مثل إدارة الأنظمة الذكية وصيانة الروبوتات.
  • دعم الشركات الناشئة وتوفير حوافز للشركات التي تطور حلول ذكاء اصطناعي، بدلاً من فرض ضرائب عليها.
  • التوازن المالي: حيث بدلاً من فرض ضريبة على الروبوتات لتعويض أي تراجع في الضرائب التقليدية، يجب زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

بالتوازي، حذر المفكرون والخبراء اليابانيون من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تسريح العمالة التقليدية وتراجع إيرادات الضرائب، واعتبروا أن اليابان لا تملك خياراً بديلاً بسبب الشيخوخة السكانية، وأن الذكاء الاصطناعي والروبوتات ضرورة وليست رفاهية.

بفضل استخدامات الذكاء الاصطناعي، حققت اليابان نجاحات واسعة، وأصبحت من الدول الرائدة عالمياً في التصنيع الذكي واستخدام الروبوتات الصناعية. كما شهدت الرعاية الصحية نقلة نوعية بفضل استخدام الروبوتات لمساعدة كبار السن في الرعاية اليومية، وساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير جودة الحياة والخدمات والنقل والبنوك والتعليم، إضافة إلى دعم النمو الاقتصادي.

بالمقابل، نتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي تداعيات سلبية، كـ:

o      تسريح أعداد من العمالة التقليدية، خاصة في الوظائف الروتينية.

o      الخشية من بروز فجوة مهارية نتيجة تخلف بعض العمال عن مواكبة التحول الرقمي.

o      انخفاض موجودات الخزينة العامة بسبب تراجع الضرائب الواردة من العمالة المسرّحة، ما أثر على الإيرادات الحكومية والمشروعات وخدمات البنى التحتية.

وقد أوضحت اليابان أنه يمكن معالجة هذه التداعيات وفق ثلاثة مسارات، هي:

  • تأهيل العمالة ببرامج تدريب لتحويلها من وظائف مهددة بالزوال إلى وظائف جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا.
  • تحديث النظام الضريبي من خلال فرض ضرائب على الإنتاجية الرقمية والخدمات الذكية بدلاً من العمالة التقليدية.
  • تطبيق سياسات انتقال عادل عبر دعم الفئات المتضررة ببرامج الحماية الاجتماعية.

 

في الهند، الدولة الأكثر اهتماماً بالذكاء الاصطناعي، بلد المبرمجين والمديرين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا، وأكبر أسواق العمالة في العالم، تعاملت الحكومة مع الذكاء الاصطناعي على أنه فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي، وليس تهديداً مباشراً للاقتصاد والعمالة والخزينة. فأطلقت عام 2018 استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تحت عنوان  AI for Allوحددت استخداماته في مجالات:

o      الصحة: من خلال التشخيص الطبي عن بُعد.

o      الزراعة: عبر أنظمة ذكية للتنبؤ بالمحاصيل ومساعدة المزارعين.

o      التعليم: باعتماد منصات تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوسيع الوصول إلى المعرفة.

o      الخدمات الحكومية: عبر نشر أنظمة الهوية الوطنية (Aadhaar) والخدمات الرقمية.

o      الاقتصاد: حيث أصبحت الهند مركزاً عالمياً لتطوير البرمجيات والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

مقابل هذه النجاحات، شهدت الهند تداعيات سلبية مماثلة لليابان، مثل تسريح أعداد من العمالة التقليدية، خاصة في الوظائف الروتينية وخدمات الدعم الفني. كما تراجعت الإيرادات الحكومية بسبب تناقص حجم الضرائب المتحصلة من أجور العمالة البشرية، وظهرت فجوة مهارية نتيجة تخلف بعض العمال عن مواكبة التحول الرقمي، إضافة إلى مخاطر اجتماعية كالبطالة الجزئية.

ورأت الحكومة أن معالجة هذه التداعيات السلبية يمكن أن تتم عبر ثلاثة مسارات، هي:

  • إطلاق برامج تدريب مهني ورقمي لإعادة تأهيل العمالة وتحويلها إلى وظائف جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا.
  • استقطاب الاستثمار الأجنبي في الذكاء الاصطناعي وتعزيز الابتكار المحلي.
  • تحقيق التوازن المالي، حيث بدلاً من فرض ضرائب على الروبوتات لتعويض تراجع الضرائب التقليدية، يجب زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

وقد لقيت هذه المعالجة دعماً من المفكرين والخبراء الهنود، الذين رغم تحذيرهم من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تسريح العمالة التقليدية، خاصة في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات الذي تعتمد عليه الهند بشكل كبير، إلا أنهم طالبوا بزيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتبقى الهند منافسة عالمياً، خصوصاً في مواجهة الصين والولايات المتحدة. كما دعوا إلى تطوير نظام ضريبي جديد يربط الإيرادات بالإنتاجية الرقمية.

 

في الصين، بلد الذكاء الاصطناعي حيث تطبيقاته واستخداماته تفوق الخيال، تعتبر الحكومة الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لتعزيز الإنتاجية والريادة العالمية. وقد أطلقت عام 2017 خطة وطنية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى جعل الصين رائدة عالمياً بحلول عام 2030. واستطاعت تحقيق قفزات هائلة في استخداماته في مختلف القطاعات، حتى أصبحت أخبار تطبيقاته تتصدر يومياً تقريباً.

فالصين بلد المدن الذكية، وهي أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، وتضم أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية، النقل الذكي، القطاع المالي، والتصنيع الذكي. كما تُعد شركات مثل Baidu -Alibaba  -Tencent  من رواد تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي عالمياً، ويُعتبر سوق الذكاء الاصطناعي فيها الأكبر على مستوى العالم.

لذلك لا توجد ضرائب على الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات أو الخوارزميات. وكان من الطبيعي أن ينتج عن استخداماته تداعيات سلبية، كـ: تسريح العمالة التقليدية، البطالة الجزئية، وتراجع الضرائب الناتجة عن العمالة البشرية، ما أثَّر على الإيرادات الحكومية.

وقد حذر مفكرون وخبراء صينيون من أن الروبوتات الصناعية ستقلل الطلب على العمالة منخفضة المهارة، الأمر الذي ضغط على الأجور وأثَّر على الإيرادات الضريبية. واقترحوا عدة حلول، كـ:

o      فرض “ضرائب أرباح الأتمتة” على الشركات التي تستفيد من الروبوتات.

o      إعادة تأهيل العمالة عبر برامج تدريبية.

o      تحديث النظام الضريبي ليواكب الاقتصاد الرقمي.

o      إطلاق برامج حماية اجتماعية للفئات المتضررة.

o      تشجيع الابتكار المحلي.

o      الاستثمار في الشركات الناشئة لتوليد وظائف جديدة.

 

في السعودية، الدولة التي تعد نفسها لتكون مركز البيانات الضخمة وقاعدة الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، أنشأت الحكومة هيئة متخصصة لإدارة قطاع الذكاء الاصطناعي هي الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي  (SDAIA)التي أطلقت عام 2020 استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تحت شعار “الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان”، وذلك لتحقيق أهداف رؤية 2030.

ترى الحكومة أن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي يمثلان أداة لتعزيز الإنتاجية، تنويع الاقتصاد، دعم النمو والابتكار، وتقليل الاعتماد على النفط. كما أطلقت مبادرات لتدريب الشباب والعمالة على المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل برنامج “طويق” و”معسكرات الذكاء الاصطناعي”. واتجهت نحو تحقيق التوازن المالي بدلاً من فرض ضرائب على استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وقد حققت المملكة نجاحات في عدة مجالات، كـ:

  • الخدمات الحكومية: عبر أنظمة الهوية الرقمية والخدمات الإلكترونية الحكومية.
  • الصحة: من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي وتحليل البيانات الصحية.
  • الأمن: عبر أنظمة ذكاء اصطناعي للمراقبة وتحليل البيانات الأمنية.
  • الاقتصاد: بجذب استثمارات ضخمة لقطاع التقنية والذكاء الاصطناعي، ما جعل المملكة مركزاً عالمياً للتحول الرقمي.

 

أخيراً، في الولايات المتحدة الأمريكية، دولة الاقتصاد الأكبر عالمياً، وبالتوازي مع مقترح بيل غيتس، يرى مايكل بيري أن الذكاء الاصطناعي طفرة مبالغ فيها، تشبه فقاعة الإنترنت (Dot-com bubble) التي انفجرت عام 2000. ويبين أن الشركات الكبرى مثل Nvidia وPalantir  أصبحت رموزاً للمبالغة الاستثمارية، حيث يتم رفع قيمتها السوقية بشكل غير واقعي لمجرد الإعلان عن استثمارات في الذكاء الاصطناعي، ويصف الوضع بأنه “هوس استثماري”، حيث كل دولار يُعلن عن إنفاقه في الذكاء الاصطناعي يرفع القيمة السوقية للشركة عدة أضعاف، ما يراه غير منطقي.

وبشأن تأثيره على العمالة والخزينة العامة، يعتقد أنه سيكون سلبياً إذا لم تتم إدارته بحذر، وسيؤدي إلى فقدان واسع للوظائف البشرية، خاصة الوظائف المكتبية والروتينية، وسيتنتج عنه تراجع في الضرائب التقليدية التي تعتمد على دخل العمالة البشرية، وبالتالي ضغط كبير على الخزينة العامة. ويحذر من أن الاستهلاك سينكمش لأن دخول الأفراد ستتراجع، ما يخلق حلقة سلبية تؤثر على النمو الاقتصادي.

بيري لا يقترح ضريبة مباشرة على الذكاء الاصطناعي كما فعل بيل غيتس، ويرى أن الحل يكمن في كشف المبالغات المحاسبية وتصحيحها، تحديث السياسات المالية والضريبية لتواكب الإنتاجية الرقمية، ضبط وإدارة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بحذر، بحيث لا يتحول إلى فقاعة تنفجر وتؤدي إلى أزمة اقتصادية جديدة.

بدوره، يرى الملياردير إيلون ماسك، مالك ومؤسس وشريك في شركات كبرى مثل تسلا، سبيس إكس، نيورالينك، ومنصة تويتر/إكس، أن الذكاء الاصطناعي وسيلة أمريكا للريادة العالمية. ومع أن استخداماته ستؤدي إلى فقدان عدد كبير من الوظائف البشرية، خصوصاً المكتبية، فإن ماسك يعتقد أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات ستكون الحل لإنقاذ الاقتصاد من أزمة الديون، ما يعني تأثيراً مزدوجاً على الوظائف والخزينة العامة.

توقع ماسك أنه خلال 10 إلى 20 سنة قادمة سيصبح العمل اختيارياً، أي أن البشر لن يحتاجوا إلى العمل لكسب العيش، بل سيكون أشبه بالهواية. كما سيعمل الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل سوق العمل وتغيير طبيعة الوظائف، بحيث تختفي مهن تقليدية وتظهر أخرى جديدة. وحذّر ماسك من أن تقليل الحاجة إلى العمالة البشرية سيؤدي إلى انكماش اقتصادي، لأن الاستهلاك يعتمد على دخول الأفراد. كما شدد على أن تراجع الضرائب التقليدية بسبب فقدان ملايين البشر وظائفهم سيسبب انخفاض حصيلة الضرائب على الدخل، وانخفاض موجودات الخزينة العامة، ما يضغط على ميزانيات الحكومات. وقد أثار حديثه نقاشاً مشابهاً لفكرة “ضريبة الروبوتات” التي طرحها بيل غيتس سابقاً، معتبراً أن الحل يكمن في إدارة هذا التحوّل بحذر لتحقيق التوازن المطلوب.

وبالانتقال إلى رؤية الحكومة الأمريكية لدور الذكاء الاصطناعي، فقد طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية يمكن تلخيصها في مسارين:

o      خارجي دولي: يرى أن الذكاء الاصطناعي أداة لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم، وأن خطة العمل الوطنية للذكاء الاصطناعي (AI Action Plan) التي أطلقها تحت شعار Winning the Race: America’s AI Action Plan  يجب أن تزيل العوائق أمام القيادة الأمريكية للعالم في هذا المجال.

o      داخلي محلي: يشير إلى تأثيرين، إيجابي وسلبي، على العمالة والخزينة العامة.

في الجانب السلبي المتعلق بالعمالة، يعترف بأن الذكاء الاصطناعي سيسبب فقدان وظائف تقليدية. وفي الجانب الإيجابي، يرى أنه يجب على وزارة العمل أن تقود إدارة التحول الرقمي بشكل عادل، وأن تضع استراتيجية لإدارة البيانات، تطوير النماذج، التدريب المستمر للعمالة، توسيع برامج التدريب المهني  (apprenticeships)تطوير مهارات جديدة، وخلق وظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

في الجانب السلبي المتعلق بالخزينة العامة، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى ضغط كبير على الخزينة العامة، وانخفاض محتمل في الضرائب الناتجة عن تراجع أعداد العمالة البشرية التقليدية. وفي الجانب الإيجابي، يؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يعزز النمو الاقتصادي، يزيد الإنتاجية، ويرفع الإيرادات على المدى الطويل.

أما المعالجة وفق رؤية ترامب فتكون عبر تحديث السياسات الضريبية لتشمل الإنتاجية الرقمية، وفرض رسوم على الخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لضمان استدامة الإيرادات، مع التأكيد المتواصل على أن نشر التحول الرقمي لن يكون ضاراً بالاقتصاد والمجتمع الأمريكي.

 

المفكرون ومراكز الأبحاث والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية:

الجدل القائم بين الحكومات بشأن الذكاء الاصطناعي كان مستمداً من النقاش بين أوساط المفكرين والاقتصاديين. ففي عام 2019، دعا إدموند فيليبس (الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2006) إلى الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات، محذراً من فقدان عدد كبير من الوظائف التقليدية، وخلق فجوة بين الإنتاجية العالية للشركات وبين تراجع دخل الفرد، إضافة إلى تراجع مساهمة العمالة البشرية في الضرائب، ما يشكل ضغطاً على الخزينة العامة.

واقترح حلاً أوليّاً يتمثل في فرض ضريبة على الروبوتات التي تحل محل البشر، بهدف استخدام عوائدها في الحفاظ على المزايا الاجتماعية، وتمويل شبكات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وإعادة تأهيل العمالة لشغل وظائف جديدة، وتحديث النظام الضريبي عبر إدخال ضرائب جديدة مرتبطة بالإنتاجية الرقمية أو أرباح الأتمتة. واشترط ألا يؤدي التحول الرقمي إلى إضعاف قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة، مؤكداً ضرورة تحقيق توازن بين الابتكار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وأن يكون استخدام الابتكار بطريقة مسؤولة لا تضعف قدرة الدولة على تمويل خدماتها.

كما أشار مفكرون إلى صعوبات حاسمة مرتبطة بهذه الإشكالية، مثل صعوبة تعريف “الذكاء الاصطناعي المنتج”، وتحديد متى يكون النظام الذكي بديلاً مباشراً عن العامل البشري، ومتى يجب فرض الضريبة عليه. كما أبدت الحكومات خشيتها من أن تؤدي الضرائب إلى إبطاء الابتكار وتراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن صعوبة بالغة التعقيد تتمثل في الحاجة إلى تنسيق دولي، إذ إن شركات التكنولوجيا تعمل عبر الحدود، وإن فرض ضريبة محلية عليها قد يدفعها لنقل أنشطتها إلى دول أخرى لا تطبق هذه السياسات.

على صعيد مراكز الأبحاث، اعتبر سانجاي باتنايك، مدير مركز التنظيم والأسواق في مؤسسة بروكينجز، أن: “زيادة إحلال الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد ستؤدي إلى انخفاض عائدات الضرائب”. ويقدم مثالاً على ذلك قائلاً: “في الولايات المتحدة الأمريكية، 85% من عائدات الضرائب الفيدرالية تأتي من دخل العمل”. ويطرح حلاً لمواجهة هذه المشكلة قائلاً: “يتعين على الحكومة الاتحادية معالجة المخاطر الناتجة عن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى حقول العمل، من خلال زيادة ضريبة أرباح رأس المال بدلاً من فرض ضريبة محددة عليه، نظراً للصعوبات في كيفية تصميم هذه الضريبة، وفي التشوهات التي يمكن أن تولّدها”. وبرر ذلك بأن: “تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي بإنشاء محتوى عند الطلب ما يزال أمراً غير مؤكد، سواء من الناحية الإيجابية (تحسين الإنتاجية والنمو الاقتصادي) أو من الناحية السلبية (فقدان الوظائف)“.

لإكمال حلقة النقاش العالمي، حذرت منظمة العمل الدولية من أن 25% من مجمل عمال العالم، وغالبيتهم في دول الدخل المرتفع، ويشغلون وظائف تتطلب درجة معينة من التعرض لتداعيات الذكاء الاصطناعي، سيكونون في مرمى التغيير الوظيفي.

وعلى صعيد المؤسسات المالية، توقعت “جولدمان ساكس” أن يعزز الذكاء الاصطناعي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 7% خلال العقد المقبل. كما توقع صندوق النقد الدولي أن تصل النسبة إلى ثمانية أعشار نقطة مئوية سنوياً حتى عام 2030. وقد شرح الصندوق رؤيته في تقرير نشره الصيف الماضي، قائلاً: “توصل اقتصاديو الصندوق إلى استنتاجات متباينة، فلم يتقدموا بتوصية بفرض ضريبة محددة على الذكاء الاصطناعي، لأن ذلك يعيق الإنتاجية ويشوّه السوق. لكنهم طالبوا الحكومات بتوخي الحذر من السيناريوهات المزعزعة المحتملة، وحثوها على زيادة الضرائب المفروضة على أرباح رأس المال، وفرض ضريبة تكميلية على أرباح الشركات ذات الربح الفاحش، ومراجعة الحوافز الضريبية للابتكار وبراءات الاختراع وغيرها من الأصول غير الملموسة، التي تحت مسمى أنها تعزز الإنتاجية، لكنها تحل محل الوظائف البشرية“.

المثير للاستغراب أنه خلال السنوات التي شهدت هذا النقاش الحاد بين قادة ومفكري ومليارديرات الغرب بشأن استخدامات الذكاء الاصطناعي في تطوير مجالات الاقتصاد والحياة، ووضع حلول لتفادي تداعياته على العمالة والخزينة، كانت شركات التكنولوجيا العملاقة، ومن بينها مايكروسوفت، شركة بيل غيتس نفسها، تتسابق في طرح برامج ذكاء اصطناعي. وقد زادت هذه البرامج من ثروات مليارديرات التكنولوجيا، وعمّقت من تداعياتها السلبية على العمالة والخزينة، حتى وصف البعض اقتراح بيل غيتس الثوري عام 2017 بأنه مجرد اقتراح عابر في حديث نادر.

 

الوظائف الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي:

يتزايد انتشار الذكاء الاصطناعي في مجالات الاقتصاد والخدمات وحياة المجتمعات، كانتشار النار في الهشيم، مُحدثاً آفاقاً غير مسبوقة على صعيد الوظائف والمهن. على سبيل المثال، كانت الوظائف الأكثر تأثراً بتداعيات الذكاء الاصطناعي، وفق بيانات التوظيف المستمدة من مسح القوى العاملة للاتحاد الأوروبي (EU-LFS) لعام 2023، هي:

  • المشرّعون وكبار المسؤولين.
  • المديرون العامون والرؤساء التنفيذيون.
  • مديرو خدمات الأعمال والإدارة.
  • مديرو المبيعات والتسويق والتطوير.
  • مديرو الخدمات المهنية.
  • علماء الرياضيات والاكتواريون والإحصائيون.
  • المتخصصون في الهندسة (باستثناء تكنولوجيا الكهرباء).
  • مدرسو الجامعات والتعليم العالي.
  • المتخصصون في المالية.
  • المتخصصون في الإدارة.
  • المتخصصون في المبيعات والتسويق والعلاقات العامة.
  • مطوّرو ومحللو البرمجيات والتطبيقات.
  • المتخصصون القانونيون.
  • المتخصصون الاجتماعيون والدينيون.
  • المؤلفون والصحفيون واللغويون.
  • المتخصصون المساعدون في المالية والرياضيات.
  • وكلاء ووسطاء المبيعات والشراء.
  • موظفو المكاتب العامة.
  • موظفو معلومات العملاء.
  • الكُتّاب الرقميون.
  • الباعة الجوالون (باستثناء باعة المواد الغذائية).

 

ذكاء اصطناعي لخدمة الإنسان في الإمارات العربية المتحدة:

تقف الإمارات العربية المتحدة اليوم في مقدمة دول العالم الصاعدة اقتصادياً، حيث تضع خططاً للاستفادة من مزايا إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد والمجتمع، وتستقطب ملايين العمال الباحثين عن العمل والثروة وجودة الحياة.

خلال السنوات الماضية، ومع بدء اهتمام الدول المتقدمة بالذكاء الاصطناعي، كان رئيس الدولة، حاكم أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، الداعم الأكبر لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى ميادين الاقتصاد والعمل وقطاعات الحياة داخل الإمارات. وقد أكد أن رؤية الإمارات للذكاء الاصطناعي تتمحور حول تحسين جودة حياة الإنسان وصيانة قيم المجتمع، مشيراً إلى أن العالم يمر بـ”لحظة تحول تاريخية كبرى” بفعل الذكاء الاصطناعي، وأن الإمارات حريصة على أن تكون جزءاً فاعلاً من هذا التحول. وهذا يستوجب الاستثمار في البنية التحتية، إعداد الكوادر الوطنية، ونقل التكنولوجيا لضمان أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيكون من أجل خدمة المجتمع والاقتصاد.

في أكتوبر عام 2017، كانت أول ترجمة لتوجيهات رئيس الدولة، حين أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، وتعيين عمر بن سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي، كأول وزير يحمل هذه التسمية في العالم.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء آنذاك أن الإمارات من أكثر الدول جاهزية للاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي، وأن إدخاله سيؤثر على القطاعات الاقتصادية والتنموية. لذا يجب تعزيز البنية التحتية والبيئة التشريعية، مع الرهان الأكبر على الكوادر الوطنية لضمان أن الذكاء الاصطناعي سيعزز النمو الاقتصادي ويحافظ على ريادة الإمارات عالمياً.

رؤية رئيسي الدولة ومجلس الوزراء أتت معاكسة لتوجهات صانعي القرار ومفكري ومليارديرات الدول الصناعية والمتقدمة بشأن الذكاء الاصطناعي، الذين أعطوا الأولوية لنمو الشركات الخاصة وتكديس أرباح هائلة على حساب تسريح العمال وتراجع إيرادات الخزينة. بينما اعتبر رئيس الدولة أن الغاية من استخدام الذكاء الاصطناعي هي خدمة الإنسان والمجتمع، وهو موقف إنساني اتسم ببعد عالمي، خاصة مع اتضاح أن 86% من سكان الإمارات، مواطنين ومقيمين، هم غير إماراتيين، وقادمون من أكثر من 200 جنسية في العالم.

بدوره، شارك الدكتور عمر بن سلطان العلماء، وزير الدولة للذكاء الاصطناعي، بفعالية في النقاشات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والعمالة داخل الإمارات وخارجها. ففي عام 2017، خلال القمة العالمية للحكومات التي تنعقد سنوياً في دبي منذ عام 2013، كان عمر بن سلطان العلماء أول مسؤول حكومي يتحدث بشكل مباشر عن الذكاء الاصطناعي كوزير مختص.

 

الدكتور علي الخوري: حوكمة الذكاء الاصطناعي لتحقيق تنمية مستدامة

في قلب هذا العمل، وعلى مستوى المفكرين والمسؤولين الإماراتيين، كان الدكتور علي الخوري وجهاً بارزاً في جهود إدخال الذكاء الاصطناعي واستخدامات التحول الرقمي والخدمات الذكية إلى الاقتصاد والخدمات والحياة العامة في الإمارات. كان ذلك مع المهام التي تولاها، ثم حين كان مستشار الأمانة العامة لنائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية عام 2015، مشرفاً على مشاريع التحول الرقمي، إضافة إلى عمله مديراً عاماً لـ”هيئة الإمارات للهوية”، الهيئة المسؤولة عن مشروع بطاقة الهوية الوطنية لسكان الإمارات، ومشروع الحكومة الإلكترونية، ونظام المرور والترخيص، وغيرها.

وكان من أوائل المتحدثين عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في عام 2017 خلال مشاركته في “قمة المعرفة بدبي”، بصفته مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وواضع اللبنات الأولى لمشروع الاقتصاد الرقمي العربي، فضلاً عن كونه خبيراً ومستشاراً حكومياً لشؤون التحول الرقمي والهوية الوطنية.

أكد الدكتور الخوري في كلمته آنذاك أهمية صياغة سياسات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لتمكين أسواق المعرفة المستقبلية، موضحاً أن دول العالم تدخل مرحلة جديدة من التسارع التكنولوجي، وأن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي هما محركان رئيسيان للنمو الاقتصادي العالمي.

وبصفته رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي منذ عام 2018، عمل على دعم مشروعات الذكاء الاصطناعي في الدول العربية والإقليمية، وأصبح الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في خطاباته ومؤلفاته ونشاطاته.

وبشكل عام، تتسم رؤية الدكتور الخوري لدور وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإمارات والدول العربية بالبعد الاستراتيجي؛ إذ يراه أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع، مع ضرورة إدارة التحولات بعناية لتفادي التداعيات السلبية على العمالة والخزينة العامة. كما يعتبره رافعة اقتصادية ومحركاً رئيسياً للنمو وقادراً على خلق أسواق جديدة وزيادة الإنتاجية، مشدداً على أن الإنسان يقع في مركز الذكاء الاصطناعي، وأن الهدف النهائي منه هو تحسين حياة الإنسان، وليس مجرد تبني التكنولوجيا لأجل التكنولوجيا. ويرى أن التحول الرقمي الشامل والذكاء الاصطناعي يجب أن يندمجا في جميع القطاعات (الحكومة، الصحة، التعليم، الأمن، الاقتصاد) ليحققا قيمة مضافة، بشرط أن يكونا خاضعين لحوكمة رقمية مسؤولة مع أطر تشريعية وتنظيمية لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهما.

وأكد الدكتور الخوري أنه إذا أدخلنا الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد والمجتمع وفق هذه الشروط، فسنحقق نجاحات كبيرة تتمثل في:

o      الاستثمار في التعليم والمهارات لإعداد كوادر وطنية قادرة على تطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي.

o      تعزيز البنية التحتية الرقمية لدعم قدرات الحوسبة والبيانات الضخمة كأساس للتطبيقات المتقدمة.

o      بناء شراكات دولية من خلال التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية لتبادل الخبرات وتطوير نماذج وطنية.

o      دعم الابتكار المحلي للشركات الناشئة والمشاريع الوطنية لتطوير حلول ذكاء اصطناعي تخدم احتياجات الإمارات.

o      الالتزام بالاستراتيجية الوطنية للدولة، من خلال استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، التي تهدف إلى جعل الإمارات دولة رائدة عالمياً في هذا المجال.

 

وأوضح الدكتور الخوري أن إدماج الذكاء الاصطناعي قد يسبب تداعيات سلبية محتملة على العمالة في الإمارات، مثل غياب الوظائف التقليدية وتراجع فرص العمل في القطاعات ذات المهام الروتينية، والضغط على الخزينة العامة والإيرادات الحكومية، إضافة إلى بروز مشكلات قانونية في حال استخدام الذكاء الاصطناعي دون ضوابط محددة. وأكد أن هذه التداعيات يمكن معالجتها من خلال أربعة مسارات:

  • إعادة تأهيل العمالة عبر برامج تدريبية لتحويلها من وظائف مهددة بالاختفاء إلى وظائف جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
  • تحديث السياسات الضريبية والتفكير في نماذج جديدة للضرائب مرتبطة بالإنتاجية الرقمية والروبوتات.
  • تطبيق حوكمة رقمية صارمة عبر قوانين واضحة للشفافية وحماية البيانات ومحاسبة الخوارزميات، مع وضع سياسات توازن بين الابتكار وحماية المجتمع.
  • ضمان الانتقال العادل بحيث يخدم التحول الرقمي التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولا يترك فئات اجتماعية خلف الركب، وذلك عبر الاستثمار في التعليم المستمر والتدريب والحماية الاجتماعية لمواجهة التحولات في سوق العمل.

وبخلاف الحكومات الغربية والمفكرين الغربيين الذين دعوا إلى فرض ضريبة على الروبوتات والخوارزميات التي تحل محل العمالة، اعتبر الدكتور الخوري أن التحدي الأكبر ليس في فرض الضرائب على الذكاء الاصطناعي، بل في إدارة التحول الرقمي بطريقة تضمن حماية المجتمع والعمالة التقليدية، والاستثمار في إعادة التدريب والتأهيل. وأكد أن أي سياسة ضريبية على الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً من منظومة أشمل تشمل الحوكمة الرقمية والاقتصاد المستدام ودعم الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا، وحماية العمالة عبر برامج إعادة التدريب، وضمان ألا يؤدي التحول الرقمي إلى فجوة اجتماعية أو اقتصادية، وأن تُدار التكنولوجيا بسياسات متوازنة تحقق التنمية الاقتصادية وتحمي المجتمع.

 

كيف يرى غيتس والدكتور الخوري طرفي المعادلة؟..

إن الإجابة على هذا السؤال تحتاج عقد مقارنة بين وجهتي نظر بيل غيتس والدكتور الخوري، وقد وجدت أنه من المفيد إدراج وجهة نظر حبراء الاتحاد الأوروبي لنرى نقاط الالتقاء والاختلاف، التي يمكن إدراجها وفق الجدول التالي:

 

تأثير الذكاء الاصطناعي على العمالة والخزينة

 

المقارنة       بيل غيتس

الولايات المتحدة الأمريكية

(ضريبة الروبوتات)  خبراء الاتحاد الأوروبي

 

(ضريبة على الذكاء الاصطناعي)   الدكتور علي الخوري

الإمارات العربية المتحدة

رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

الفكرة الأساسية      فرض ضريبة على الروبوتات والأنظمة الذكية التي تحل محل العمالة البشرية        مناقشة فرض ضريبة الروبوتات وتنظيم دور الذكاء الاصطناعي التوليدي      حوكمة الذكاء الاصطناعي كجزء من الاقتصاد الرقمي والتنمية المستدامة

الهدف تعويض الخزينة عن فقدان ضرائب العمال المسرّحين

+ تمويل إعادة التدريب      حماية الوظائف والإيرادات والضمان الاجتماعي والصحي

+ الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا  تحقيق التوازن بين الابتكار والتنمية الاجتماعية + خلق فرص جديدة في الاقتصاد الرقمي

المخاوف      فقدان الوظائف بشكل واسع بسبب الذكاء الاصطناعي     اضطراب سوق العمل + بطالة جزئية + تراجع الضرائب

 + استهلاك كبير للطاقة     فجوة اجتماعية واقتصادية إذا لم تُدار التكنولوجيا بسياسات متوازنة

الحلول المقترحة     ضريبة مباشرة على الشركات التي تستبدل العمالة البشرية      تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي

تأهيل العمالة + تحديث الضرائب

+ برامج ضمان اجتماعي   تشريعات وحوكمة رقمية

+ الاستثمار في التعليم والتدريب

+ سياسات شاملة

الابتكار        يدعو إلى الابتكار

+غياب الضريبة يضر المجتمع     توازن بين الابتكار وحماية المجتمع الابتكار أساس التنمية، ويجب أن يُدار لا أن يُعاقب

نقاط الالتقاء  الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى فقدان وظائف ويحتاج إلى إدارة مسؤولة

+ إعادة تدريب وتأهيل العمال لمواكبة التحول الرقمي

+ التوازن بين الابتكار والعدالة الاجتماعية هو التحدي الأكبر

نقاط الاختلاف يميل إلى حل مباشر عبر فرض ضريبة مالية      يركز على التنظيم والضرائب لأسباب اجتماعية      حوكمة وسياسات شاملة + التوازن بإدارة التحول الرقمي من دون ضريبة

الخلاصة       رؤية الدكتور علي الخوري أكثر شمولية، لا تختزل الحل في ضريبة مالية على الذكاء الاصطناعي، بل تراه فرصة للتنمية إذا تمت إدارته بسياسات متوازنة

بينما يطرح بيل غيتس وخبراء الاتحاد الأوروبي حلولاً مالية وتنظيمية مسؤولة لمواجهة فقدان الوظائف والبطالة الجزئية وتعويض انخفاض ايرادات الخزينة

 

كيف تدير الإمارات إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد والخدمات والحياة العامة؟.

تُعد الإمارات، بفضل رؤية مسؤوليها ومفكريها، واحةً للذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط، وقد أطلقت استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 المجال لتنفيذ العديد من المبادرات والمشروعات والتطبيقات في الاقتصاد والتعليم والخدمات الحكومية، وتحسين جودة حياة الإنسان. وفي عام 2019 أسس مجموعة من المفكرين والأكاديميين جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، كأول جامعة متخصصة بالكامل في الذكاء الاصطناعي عالمياً. كما أطلقت مؤسسة دبي للمستقبل مبادرة “دبي الذكية” التي وضعت الذكاء الاصطناعي في قلب رؤية تحويل دبي إلى أذكى مدينة في العالم.

وتم إنشاء مكتب الذكاء الاصطناعي الإماراتي ليقود التنسيق الوطني للمبادرات، وبناء القدرات، وشراكات السلامة والحوكمة. كما اعتمدت حكومة الإمارات والوزارات الاتحادية استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 التي تستهدف اعتماد الذكاء الاصطناعي بنسبة 100% في الخدمات والتحليلات الحكومية، وتسريع الإنجاز، وخلق أسواق جديدة متقدمة، ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات والبنية التحتية والسياسات، إضافة إلى تطبيقات في التعلم الآلي، الصحة، التعليم، الأمن السيبراني، والتمكين الحكومي، فضلاً عن مشاريع تطبيقية وحوكمة التقنيات الناشئة.

 

حيث لا تفرض “الهيئة الاتحادية للضرائب” أي ضريبة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، بل تستخدمه لتطوير النظام الضريبي. ومن المتوقع أن يتسارع انتشار استخداماته في عدة قطاعات، مثل:

o      الصحة والتعليم: من خلال نماذج تحليلية، وتخصيص عملية التعلم، وإدراج مقررات الذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات ضمن منظومة بناء القدرات الوطنية.

o      الأمن السيبراني والحوكمة: عبر استخدام تحليلات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن، إدارة المخاطر، ومحاكاة الأزمات ضمن أطر حوكمة تقنية.

o      الاقتصاد والقطاع الخاص: من خلال اعتماد الشركات حلول الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية وتحقيق النمو.

o      الاقتصاد والقطاع الخاص: اعتماد الشركات لحلول الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية.

 

الصورة 7: الإمارات الخامسة عالمياً وفق معهد الذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان (HAI)

 

وترافق ذلك مع نجاحات وريادة إقليمية تحققها الإمارات، حيث تواصل مكانتها ضمن الدول الأكثر جاهزية لتبني الذكاء الاصطناعي وفق مؤشرات دولية، كما ستحدث زيادة متوقعة في الناتج المحلي، حيث سيضيف الذكاء الاصطناعي نحو 14% بحلول 2030، أي ما يعادل 96 مليار دولار تقريباً، كما تواصل الإمارات تطوير بنيتها التحتية وتضع تشريعات مرنة وتبني شراكات عالمية، أساسها بيئة تنافسية جذابة، واستثمارات ضخمة في البيانات والحوسبة، ونماذج بحثية متقدمة، إضافة إلى بناء القدرات البشرية المحلية من خلال مبادرات تدريب واسعة، وجامعات متخصصة، وربط التعليم بالبحث والتطبيق العملي.

بالمقابل، الإمارات من أقل دول العالم تأثراً بتداعيات الذكاء الاصطناعي، ويتم معالجة تأثيره على العمالة بما يلي:

  • رفع المهارات وإعادة التأهيل الرقمي وتحويل العاملين من أدوار متقادمة إلى أدوار إشراف على النماذج، ضمان الجودة، والعمليات المعززة بالذكاء الاصطناعي.
  • تحديث الإطار الضريبي والمالي وقياس إنتاجية الذكاء الاصطناعي من خلال إدماج مؤشرات الإنتاجية الرقمية في الموازنات العامة، وربط التحفيزات بخلق وظائف ذات قيمة مضافة.
  • تنويع مصادر الإيرادات من خلال رسوم خدمات رقمية متقدمة، وسياسات لاستدامة العوائد مع الحفاظ على الابتكار.
  • حوكمة مسؤولة وأمن سيبراني باعتماد أطر شفافية وسلامة النماذج وإدارة المخاطر عبر هيئات مختصة، مع حماية البيانات ومحاسبة خوارزمية لتقليل الانحياز وحماية الخصوصية وتعزيز الثقة في الخدمات الذكية.
  • استثمار مستمر في البحث والشراكات لتطوير النماذج الوطنية المفتوحة والآمنة ودعم النماذج وتوسيع التعاون الدولي لتبادل الخبرات ودمج التعليم والابتكار في القطاعات الحيوية وربط مخرجات البحث بتطبيقات عملية في الصحة، التعليم، والبنية التحتية.

 

 

عمر المقداد – كاتب في الاقتصاد الرقمي

 

 

اقرأ أيضاً: آيريكس 2025 يختتم أعماله بشراكات استثمار عقاري وتقنيات ذكاء صناعي

 

صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen