أخبار الصناعة السورية:
بقلم أحمد سليمان _ مع اتساع حضور المنتجات المستوردة في الأسواق المحلية، تواجه الصناعة السورية تحدياً يتجاوز المنافسة إلى قدرتها على الاستمرار. فارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع التسهيلات، بالتوازي مع صعوبات تأمين مستلزمات العمل، يضعان المنشآت الصغيرة والمتوسطة أمام ضغوط متزايدة، ويطرحان سؤالاً ملحاً: كيف يمكن حماية الصناعة الوطنية من دون إغلاق السوق أو تحميل المستهلك أعباء إضافية؟.
تمثل الصناعة ركيزة أساسية للاقتصاد، ليس فقط لما توفره من منتجات، بل أيضاً لما تخلقه من فرص عمل، وما تحركه من قطاعات مرتبطة بها، كالنقل والتجارة والخدمات. لذلك فإن تعثر المنشآت الصناعية لا يقتصر أثره على أصحابها، بل يمتد إلى العاملين فيها، وسلاسل التوريد، وقدرة السوق على تلبية احتياجاته من الإنتاج المحلي.
في السنوات الماضية، واجهت منشآت صناعية تحديات متراكمة، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية والنقل، وصعوبة الحصول على التمويل والتسهيلات، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية. وفي المقابل، اتسع حضور المستوردات في السوق، ما زاد المنافسة على المنتج المحلي، خصوصاً في القطاعات التي تتشابه منتجاتها وتكون كلفة الاستيراد فيها أقل من كلفة الإنتاج المحلي.
ويجمع صناعيون على إن اجتماع هذه العوامل يضغط بصورة أكبر على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي غالباً ما تملك قدرة محدودة على تخفيض التكاليف أو تطوير خطوط الإنتاج أو تحمّل فترات طويلة من ضعف المبيعات. وقد يترتب على ذلك تقليص الإنتاج، أو تأجيل التوسع والتحديث، أو خفض عدد العاملين، فيما قد تضطر بعض المنشآت إلى التوقف، بما يترك فراغاً في السوق ويضعف القاعدة الإنتاجية المحلية.
المنافسة تحتاج إلى قواعد متوازنة
لا تعني حماية الصناعة الوطنية منع الاستيراد أو إغلاق الأسواق أمام المنتجات الخارجية؛ فالمنافسة قد توسع الخيارات أمام المستهلك، وتحفز المنتج المحلي على تحسين الجودة. لكن المنافسة تفقد توازنها عندما تتفاوت شروط الإنتاج بصورة كبيرة، أو تدخل منتجات بأسعار منخفضة لا تعكس كلفتها الحقيقية، أو لا تخضع لمتطلبات الجودة والسلامة نفسها المفروضة على المنتج المحلي.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تترافق سياسة الانفتاح التجاري مع رقابة فعالة على جودة المستوردات ومطابقتها للمواصفات، وإجراءات واضحة لمواجهة الممارسات الضارة بالمنافسة. فترك السوق من دون أدوات كافية للرقابة قد يفضي إلى إضعاف الإنتاج المحلي، بينما يؤدي فرض قيود واسعة وغير مدروسة إلى تقليص الخيارات ورفع الأسعار على المستهلك.
وتملك الحكومات في دول عديدة أدوات لحماية صناعاتها، من بينها الرسوم الجمركية على السلع المستوردة المشابهة للمنتجات المحلية، أو اتخاذ إجراءات لمكافحة الإغراق عندما تثبت الجهات المختصة وجود ممارسات تضر بالصناعة. إلا أن تطبيق هذه الأدوات يتطلب دراسات فنية وبيانات دقيقة، وأن يكون محدداً ومتناسباً مع الضرر، ومتوافقاً مع الالتزامات التجارية النافذة، حتى لا يتحول إلى حماية دائمة لمنتجات لا تطور جودتها أو إنتاجيتها.
الدعم ليس غاية بحد ذاته
إن إعادة تقديم التسهيلات للصناعة الوطنية لا تعني العودة إلى دعم مفتوح وغير مشروط، بل يمكن أن تقوم على برامج محددة وشفافة، تستهدف خفض كلفة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية، مع مراجعة نتائجها بصورة دورية.
ويأتي دعم حوامل الطاقة في مقدمة المطالب الصناعية، نظراً إلى أثر كلفتها المباشر في أسعار المنتجات، ولا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ويمكن دراسة آليات دعم موجهة للمنشآت المنتجة، ترتبط بحجم الإنتاج أو الحفاظ على فرص العمل أو خطط تحسين الكفاءة، بدلاً من تقديم دعم عام لا يضمن وصول أثره إلى الإنتاج أو المستهلك.
كما تحتاج المنشآت إلى تسهيلات مستقرة في استيراد المواد الأولية والآلات وقطع التبديل، وإجراءات أبسط وأكثر وضوحاً في التمويل والتخليص، بما يقلل مدة التعطيل وكلفته. فاستقرار القواعد والإجراءات لا يقل أهمية عن الدعم المالي، لأنه يساعد الصناعي على التخطيط للإنتاج والتسعير والالتزام بعقوده.
التصدير طريق لتعزيز الاستدامة
لا تكتمل استعادة قدرة الصناعة على المنافسة بالتركيز على السوق المحلية وحدها. فالتصدير يتيح توسيع حجم الإنتاج، ويفتح أمام المصانع أسواقاً جديدة، ويساعد على تحسين الجودة ومواكبة متطلبات الأسواق الخارجية. ويتطلب ذلك حوافز عملية، تشمل تسهيل الإجراءات، وتوفير المعلومات عن الأسواق، ودعم المشاركة في المعارض، وتيسير النقل والخدمات اللوجستية، ومساندة المنشآت في الحصول على شهادات الجودة والمطابقة.
كما أن تحسين القدرة التصديرية يرتبط بتحديث المعدات ورفع كفاءة الإنتاج، وتطوير المهارات، وتوفير بيئة تمويل مناسبة. فالدعم الذي لا يترافق مع رفع الإنتاجية قد يؤجل المشكلة، لكنه لا يعالج أسباب ضعف المنافسة على المدى الطويل.
سياسة متوازنة لحماية الإنتاج وفرص العمل
تحتاج الصناعة السورية إلى مقاربة متكاملة تجمع بين ضبط الاستيراد وفق قواعد واضحة، وتطبيق المواصفات على المنتجات المحلية والمستوردة على حد سواء، وتقديم تسهيلات إنتاجية موجهة، وتشجيع التصدير. ويمكن أن تبدأ هذه المقاربة بتحديد القطاعات الأكثر تضرراً، وقياس كلفة الإنتاج وحجم المستوردات والطلب المحلي، ثم وضع إجراءات مرحلية قابلة للتقييم.
إن تمكين الصناعة الوطنية لا يعني تحميل المستهلك كلفة حماية غير محدودة، كما لا يعني ترك المنشآت المحلية تواجه وحدها أعباء الطاقة والتمويل والمواد الأولية ومنافسة المنتجات المستوردة. المطلوب هو توازن يضمن للمستهلك منتجاً جيداً بسعر مقبول، ويمنح المصنع فرصة عادلة للإنتاج والتطوير، ويحافظ على فرص العمل.
وفي بلد ترتفع فيه الحاجة إلى فرص العمل والدخل، يصبح دعم الصناعة خياراً اقتصادياً واجتماعياً في آن واحد. فكل منشأة قادرة على استئناف الإنتاج أو زيادة مبيعاتها تعني فرصاً إضافية للعاملين، وطلباً أكبر على الخدمات والمواد المحلية، وإمكاناً أوسع لتلبية احتياجات السوق من الإنتاج الوطني. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الصناعة بحاجة إلى التسهيلات، بل كيف تُصمم هذه التسهيلات لتكون فعالة، عادلة، ومقترنة بمسؤولية تطوير المنتج ورفع جودته وقدرته على المنافسة محلياً وخارجياً.
*أحمد سليمان: رئيس تحرير موقع أخبار الصناعة السورية
أخبار الصناعة السورية Industry News
