أخبار الصناعة السورية:
يمثل البحث عن عمل بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة خطوة أساسية لإثبات القدرة الكافية على الإنتاج والمشاركة الفاعلة في سوق العمل. ويتطلع الكثيرون منهم إلى أن تدرك شركات القطاع الخاص حجم المؤهلات والمهارات التي يملكونها، وتتعامل معهم كعناصر قادرة على العطاء والتطوير.
يطرح هذا الواقع ملفاً مهماً يربط التشريعات والقوانين بالممارسة الميدانية اليومية. تفرض القوانين الحالية نسباً محددة لتوظيف ذوي الإعاقة في المنشآت، وتستوجب توفير بيئة عمل مناسبة وآليات رقابة وتفتيش تضمن حماية حقوقهم واستمرارهم في وظائفهم.
تناقش صحيفة “الثورة السورية” هذا الملف من جوانبه القانونية والاجتماعية والمهنية، للوقوف على واقع توظيف ذوي الإعاقة في الشركات الخاصة، والتحديات التي تواجه تطبيق التشريعات، والحلول العملية الكفيلة بتحقيق الدمج الكامل لهم في سوق العمل.
آليات واضحة وتسهيلات مشجعة
أوضح مدير مديرية السياسات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، واثق حلاق، في حديث مع صحيفة “الثورة السورية” أن القانون يلزم أصحاب العمل في القطاع الخاص ممن يملكون 50 عاملاً فأكثر، سواء في مقر واحد أم عدة فروع، بتعيين أشخاص من ذوي الإعاقة المؤهلين بنسبة لا تقل عن 2 بالمئة من إجمالي حجم العمالة لديهم.
ويتم الترشيح عبر مكاتب التشغيل التابعة لمديريات الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظات، أو بالتنسيق المباشر بين الشركة والمديرية لمعادلة الشواغر المؤهلة، وذلك استناداً إلى المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 المتعلق برعاية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى أحكام قانون العمل رقم 17 لعام 2010 والتوجيهات التنفيذية ذات الصلة.
وبين حلاق أنه في حال تعرض شخص من ذوي الإعاقة للرفض غير المبرر أو التمييز عند التقدم لوظيفة في منشأة خاصة ينطبق عليها الشرط القانوني، والجهة المختصة هنا بتلقي الشكاوى هي مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظة، وتحديداً دائرة علاقات العمل وشعبة التفتيش، إضافة إلى المجلس الوطني لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة عن طريق لجان المتابعة أو الرصد التابعة له.
أما حول التسهيلات المقدمة لتشجيع القطاع الخاص، بين حلاق أنها تتضمن التأهيل المهني والترشيح من خلال توفير الكوادر المدربة والمؤهلة مجاناً للشركات عبر مراكز التأهيل المهني التابعة للوزارة والمنظمات الشريكة، والتسهيلات البيئية والمكانية عبر تقديم دعم استشاري هندسي وتأهيلي للشركات حول كيفية إتاحة الترتيبات التيسيرية المعقولة وتهيئة بيئة العمل لتناسب طبيعة الإعاقة، وتأكيد المسؤولية المجتمعية والتقدير عبر منح المنشآت الملتزمة والمبادرة شهادات أولوية وتكريم رسمي ضمن برامج دمج ذوي الإعاقة، ما يعزز ملف مسؤوليتها الاجتماعية والمرونة التشغيلية عبر إمكانية احتساب أنماط العمل المرن والعمل عن بعد للوظائف الملائمة طبيعتها لذوي الإعاقة ضمن نسبة الـ2 بالمئة المحددة.
متابعة وتفتيش لضمان التوظيف وعدم التحيز
فيما يتعلق بآلية المتابعة والرقابة، أوضح حلاق أنهم يجرون جولات تفتيش دورية، حيث تتولى دائرة التفتيش ورعاية العمال بمديريات الشؤون الاجتماعية والعمل مطابقة سجلات العمالة والتأمينات الاجتماعية للشركات للتحقق من تحقيق النسبة المطلوبة، إضافة إلى التقارير السنوية التي تطالب المنشآت الخاضعة للشرط بتقديمها، وتبين عدد العمال الإجمالي وعدد العاملين من ذوي الإعاقة وسجلات أجورهم.
وأشار حلاق أن هناك توجهاً لرفع النسبة حيث يطرح رفعها إلى الـ4 بالمئة وهي النسبة المعمول بها في القطاع العام، أو توسيع شموليتها لتطول المنشآت التي تضم عدداً أقل من 50 عاملاً بشكل تدريجي.
أما الضمانات الإضافية المكرسة قانوناً فتتضمن حظر التمييز عبر التأكيد القانوني الصريح على حظر أي شكل من أشكال التمييز في التعيين، الأجور، الترقية، أو المزايا الوظيفية بسبب الإعاقة، والتكيف وتهيئة مكان العمل عبر التزام صاحب العمل بتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والأدوات المساعدة لضمان أداء العامل لمهامه بأمان وفاعلية، والحماية من الفصل التعسفي حيث تخضع إشغالات ذوي الإعاقة لحماية مضاعفة من التفتيش العمالي لضمان عدم إنهاء خدماتهم دون أسباب قانونية موجبة ومبررة، والحماية القضائية عبر إعفاء الأشخاص ذوي الإعاقة من جميع الرسوم القضائية والتأمينات في الدعوى الناشئة عن المنازعات العمالية وحماية حقوقهم التأمينية والوظيفية.
حماية قانونية وتطبيق متعثر
في حديثه لـ”الثورة السورية”، يؤكد المحامي فراس حميدو أن القانون السوري يوفر إطار حماية متقدماً لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، من خلال المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 وقانون العمل رقم 17 لعام 2010، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع.
ويشير إلى أن نسبة الـ2 بالمئة في القطاع الخاص، رغم أنها خطوة إيجابية، تواجه عقبات في المتابعة والرقابة، فبعض الشركات قد تتلاعب بسجلات العمالة، أو توظف أشخاصاً من ذوي الإعاقة في وظائف هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو تتحايل على النسبة من خلال تسجيل عمالة وهمية، وهذه الممارسات تجعل النص القانوني يفقد فعاليته، ويحول الحق إلى مجرد رقم على الورق.
وبالنسبة للعقوبات المنصوص عليها قانوناً في حال ثبوت المخالفة، تتضمن تحرير ضبط مخالفة بحق المنشأة وإنذارها بتصحيح أوضاعها وتوفير الشاغر المطلوب، ويشدد على أن هذه العقوبات تحتاج إلى تفعيل، وإلى وجود عدد كافٍ من مفتشي العمل المؤهلين للتعامل مع هذا الملف، فالتفتيش العمالي هو العين التي تراقب تطبيق القانون، بالتالي يجب أن تكون قوية وبأعداد كافية، حتى لا تمر المخالفات دون رادع، وإيقاف أي تلاعب بحقوق ذوي الإعاقة.
ويضيف حميدو أن حظر التمييز في التعيين والأجور والترقية والمزايا الوظيفية بسبب الإعاقة يمثل ضمانة قانونية مهمة، ويحتاج إلى آليات واضحة لتقديم الشكاوى ومتابعتها، وإلى حماية قانونية للشخص ذي الإعاقة من الانتقام في حال تقديمه شكوى ضد صاحب العمل، فالخوف من الانتقام قد يدفع الكثيرين إلى السكوت عن حقوقهم، وهذا السكوت يشجع على استمرار التمييز.
ويشير إلى أن إعفاء الأشخاص ذوي الإعاقة من جميع الرسوم القضائية والتأمينات في الدعوى الناشئة عن المنازعات العمالية يمثل خطوة مهمة لتسهيل لجوئهم إلى القضاء، إلا أن العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يعرفون حقوقهم القانونية، ولا يدركون أن بإمكانهم المطالبة بها، ما يجعل التوعية القانونية ضرورة موازية للتشريعات، داعياً إلى تنظيم حملات توعية تستهدف ذوي الإعاقة وأسرهم، وتعريفهم بحقوقهم وآليات المطالبة بها، فالمعرفة هي الخطوة الأولى نحو المطالبة بالحقوق.
التوظيف الحقيقي استثمار في القدرات
ويؤكد المحامي حميدو على أن التوظيف في القطاع الخاص يمثل فرصة حقيقية لدمج ذوي الإعاقة اقتصادياً واجتماعياً، وهذا يحتاج إلى إرادة حقيقية، وإلى رقابة صارمة من الجهات المختصة، وإلى تعاون بين جميع الأطراف المعنية، من وزارات ومنظمات مجتمع مدني وقطاع خاص، لضمان أن يكون التوظيف فرصة حقيقية للإنتاج والتطور، لا مجرد إجراء شكلي لتلبية الشروط القانونية.
ويضيف أن بعض الشركات قد تخشى توظيف ذوي الإعاقة بسبب التكاليف الإضافية التي قد تترتب على تهيئة بيئة العمل، واقعياً هذه التكاليف غالباً ما تكون أقل مما يتصور أصحاب العمل، وأن العديد من الترتيبات الداعمة يمكن تنفيذها بتكلفة بسيطة، كتعديل بسيط في توزيع المهام أو توفير أدوات مساعدة بسيطة، وفي المقابل، فإن الشركات التي توظف ذوي الإعاقة تستفيد من ولاء هؤلاء العاملين والتزامهم، ومن صورة إيجابية تعزز سمعتها في المجتمع.
التحديات النفسية ونظرة المجتمع
من جهتها، تؤكد الاختصاصية الاجتماعية علا جبور في حديثها لـ”الثورة السورية” أن توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع الخاص يمثل خطوة جوهرية نحو دمجهم في المجتمع، لكنها تشير إلى أن هذا التوظيف يبقى ناقصاً إذا لم ترافقه تهيئة حقيقية لبيئة العمل، وتوعية باقي العاملين، وتقديم الدعم النفسي المستمر للشخص ذي الإعاقة.
وتشير جبور إلى أن الشخص ذي الإعاقة يواجه تحديات اجتماعية ونفسية تفوق التحديات المهنية، فهو يتعرض للوصم الاجتماعي في بعض الأحيان، ويشعر بعدم الثقة بقدراته نتيجة نظرة المجتمع، ما يجعله يتردد في التقدم لوظائف جديدة أو المطالبة بحقوقه، هذه التحديات النفسية قد تكون أشد وطأة من الإعاقة نفسها، فالخوف من الرفض، والشعور بالدونية، والقلق من نظرة الزملاء، كلها مشاعر ترافق الشخص ذي الإعاقة في رحلة بحثه عن عمل، وقد تدفعه إلى الانسحاب والاستسلام قبل أن يحاول أصلاً.
وتؤكد أن التوعية المجتمعية ضرورة موازية للتشريعات، القانون يصنع التغيير عندما يترافق مع تغيير في العقلية المجتمعية التي تنظر إلى الإعاقة كاختلاف يحتاج إلى تكييف.
وتلعب الأسر دوراً مهماً في دعم أبنائها من ذوي الإعاقة، وتشجيعهم على الانخراط في سوق العمل، وتنمية مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، لأن الأسرة هي الحاضنة الأولى التي تشكل نظرة الشخص إلى نفسه وإلى قدراته، إذا نشأ الشخص ذو الإعاقة في بيئة داعمة تؤمن بقدراته، فإنه سيكون أكثر استعداداً لمواجهة تحديات سوق العمل، وأكثر قدرة على المطالبة بحقوقه.
وتضيف بأن الدمج الحقيقي يحتاج إلى بيئة عمل شاملة تراعي الاحتياجات المختلفة، وتتعامل مع الشخص ذي الإعاقة كفرد له حقوق وواجبات، بعيداً عن كونه حالة إنسانية تستحق الشفقة.
وفي ختام حديثها، تشير الاختصاصية جبور إلى أن بعض الشركات التي وظفت أشخاصاً من ذوي الإعاقة حققت نتائج إيجابية على مستوى الإنتاجية والانتماء الوظيفي، لأن هؤلاء العاملين غالباً ما يكونون أكثر التزاماً وحرصاً على إثبات قدراتهم، وهذا يؤكد على أن الدمج هنا يعد استثماراً مهماً وهادفاً في رأس المال البشري، وهنا يجب تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية في القطاع الخاص، بحيث يصبح توظيف ذوي الإعاقة جزءاً من ثقافة الشركة لا إجراءً اضطرارياً لتجنب العقوبات، وتشجع الشركات على تبادل تجاربها الناجحة في هذا المجال، لأن النماذج الإيجابية يمكن أن تكون أكثر إقناعاً من النصوص القانونية.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: البطالة في سوريا.. تحديات جديدة أمام سوق العمل
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
