أخبار الصناعة السورية:
تتجاوز تداعيات البطالة في سوريا الجانب الاقتصادي المباشر لتطال جوانب اجتماعية ومعيشية ونفسية، إذ يؤدي غياب فرص العمل المستقرة إلى زيادة الضغوط على الأسر، وارتفاع معدلات الفقر، ودفع بعض الكفاءات والطاقات الشابة إلى البحث عن فرص خارج البلاد، ما يجعل معالجة هذه الظاهرة مرتبطة بصورة وثيقة بقدرة الاقتصاد الوطني على استعادة نشاطه الإنتاجي وخلق فرص عمل مستدامة.
رفض الحلول الجزئية والمؤقتة
يرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن معالجة البطالة في سوريا لم تعد تحتمل الحلول الجزئية أو المؤقتة، وإنما تحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تركز على تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ضعف الأجور وتكاليف المعيشة
تبرز مشكلة الأجور كأحد أهم التحديات التي تواجه العاملين والباحثين عن فرص عمل، ولا سيما في القطاع الخاص، حيث يشير العامل وفيق الراشد إلى أن العثور على فرصة عمل مستقرة بات أكثر صعوبة، ليس بسبب محدودية الوظائف المتاحة فقط، وإنما أيضاً بسبب الفجوة بين الأجور ومستوى تكاليف المعيشة التي باتت واضحة بكل المقاييس.
وأوضح الراشد أن كثيراً من فرص العمل المتاحة لا تقدم دخلاً يتناسب مع الاحتياجات الأساسية للعامل وأسرته، في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، الأمر الذي يجعل الاستقرار الوظيفي مرتبطاً ليس بمجرد الحصول على فرصة عمل، وإنما بمدى قدرة الأجر على تأمين مستوى معيشي مقبول. ويرى أن توفير فرص عمل حقيقية ومستقرة يتطلب تنشيط الدورة الاقتصادية وزيادة الاستثمارات، بما ينعكس على عدد الوظائف المتاحة ومستوى الأجور، ويحد من اضطرار الشباب إلى القبول بوظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو تطلعاتهم.
فجوة تحتاج إلى المعالجة
يتوافق الصناعي محمد الحلاق في الرأي مع ما سبق، مضيفاً أن البطالة تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا اليوم، لافتاً إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بعدد فرص العمل، وإنما كذلك بمدى توافق المهارات المتوافرة لدى الباحثين عن العمل مع احتياجات المؤسسات والمنشآت الاقتصادية، وبالتالي، فإن نقص التدريب العملي والمهارات المهنية المتخصصة يحد من قدرة المؤسسات على الاستفادة من القوى العاملة المتاحة، كما يمكن أن يعرقل توسع بعض الشركات التي تحتاج إلى اختصاصات ومهارات محددة.
ويرى الحلاق أن معالجة هذه الفجوة تتطلب تعزيز برامج التدريب المهني والتقني، وربطها بصورة مباشرة باحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة، بحيث لا يقتصر التدريب على الجانب النظري، وإنما يوفر مهارات عملية تمكن المتدرب من الاندماج سريعاً في بيئة العمل.
تنشيط الإنتاج والاستثمار أساس زيادة فرص العمل
ولفت الحلاق إلى أن الصعوبات التي تواجه الشركات والمنشآت الاقتصادية، ومنها ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبات التمويل وتأمين المواد الأولية، تحد من قدرتها على التوسع وفتح خطوط إنتاج جديدة، وبالتالي تحد من قدرتها على استيعاب أعداد إضافية من العمالة.
وأشار إلى أهمية دعم القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية، والذي من شأنه أن ينعكس بصورة مباشرة على سوق العمل، لأن زيادة الإنتاج ترتبط عادة بالحاجة إلى عمالة جديدة، فيما يؤدي توسع النشاط الاقتصادي إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، والمعالجة هنا تحتاج إلى تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بحيث تتكامل السياسات الاقتصادية مع احتياجات السوق، ويتم توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وتحريك النشاط الاقتصادي من جديد.
البطالة نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية
يعود الخبير الاقتصادي اسمندر لتوضيح خطر البطالة على الاقتصاد السوري من بوابة اعتبارها أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وأن ارتفاع مستوياتها لا يمكن ربطه بالظروف الاقتصادية الراهنة وحدها، وإنما هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، إلى جانب مجموعة من العوامل التي أسهمت في تفاقم المشكلة، من بينها ضعف بعض القطاعات الإنتاجية، وتراجع الاستثمارات، وتقلص قدرة المؤسسات والمنشآت على التوسع، إضافة إلى خروج أعداد من الكوادر المؤهلة إلى الخارج، ما أدى إلى فقدان جزء من رأس المال البشري الذي يحتاجه الاقتصاد في مرحلة التعافي وإعادة البناء. وأضاف أن بطالة الشباب والخريجين الجدد تمثل تحدياً مضاعفاً، لأن هذه الفئة تمثل طاقة بشرية يفترض أن تكون رافداً للنمو الاقتصادي، إلا أن عدم حصولها على فرص مناسبة قد يدفعها إلى الهجرة أو العمل في مجالات لا تتناسب مع مؤهلاتها، ما يؤدي إلى هدر جزء من رأس المال البشري.
المشروعات الصغيرة فرصة لخلق وظائف جديدة
ويرى اسمندر أن معالجة البطالة تحتاج إلى الانتقال من مقاربة تركز على توفير الوظيفة التقليدية فقط، إلى مقاربة أوسع تقوم على خلق فرص اقتصادية جديدة وتشجيع ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وأوضح أن دعم المبادرين وأصحاب المشروعات يمكن أن يسهم في توفير فرص عمل ليس فقط لصاحب المشروع، وإنما لعدد من العاملين معه، ما يجعل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد المسارات المهمة لمعالجة البطالة، وخاصة بين الشباب، إلى جانب ضرورة توفير برامج تدريبية متخصصة تواكب احتياجات السوق، بحيث يجري التركيز على الاختصاصات والمهارات المطلوبة فعلياً. والأهم دعم الابتكار والتحول الرقمي وتطوير المهارات الحديثة، بما يفتح مجالات جديدة أمام الشباب، ويتيح لهم الاستفادة من فرص العمل التي تفرضها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
قطاعات قادرة على استيعاب العمالة
يرى اسمندر أن قطاعي الصناعة والزراعة هما الأكثر استيعاباً للعمالة الوافدة، مشيراً إلى أهمية توجيه جزء أكبر من الاهتمام والاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على استيعاب أعداد واسعة من العمالة، إلى جانب قطاع الخدمات اللوجستية الذي لا يقل أهمية عن سابقيه. معتبراً أن دعم هذه القطاعات لا يسهم في خلق فرص العمل فحسب، وإنما يعزز الإنتاج المحلي ويزيد القدرة على توفير السلع والخدمات، ويحسن حركة الاقتصاد، ما يجعل معالجة البطالة جزءاً من عملية اقتصادية أشمل تهدف إلى زيادة الإنتاج وتحقيق النمو.
شراكة القطاعين العام والخاص
ويرى اسمندر أن معالجة البطالة تتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز الإجراءات الآنية، وتقوم على إصلاحات هيكلية تشمل البيئة التشريعية والاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، ودعم الإنتاج، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري. كما أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في هذا المجال، من خلال توجيه الاستثمارات نحو المشاريع المنتجة، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، وتوفير بيئة تشجع على تأسيس الأعمال وتوسعها. كما أن تحسين مستوى الأجور يمثل جانباً أساسياً في هذه المعالجة، لأن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد توفير وظيفة، وإنما توفير فرصة عمل لائقة ومستقرة تضمن للعامل دخلاً يتناسب مع متطلبات المعيشة، وتمنحه حافزاً للاستمرار والإنتاج.
اقرأ أيضاً: اتحادا غرف التجارة السورية والعراقية توقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون التجاري
صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
