أخبار الصناعة السورية:
تقف الصناعة السورية اليوم ضمن مسار اقتصادي يتشكل من تداخل تراكمات بنيوية سابقة مع تداعيات السنوات الماضية، في سياق أعاد رسم ملامح الإنتاج وحدّد إيقاعه ضمن بيئة أكثر تعقيداً. هذا الواقع يضع القطاع أمام تحديات تمتد عبر مستويات الطلب، وسلاسل الإمداد، وكلفة التشغيل، في وقت تتبلور فيه ملامح تعافٍ تدريجي يرتبط بإعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتحديث أدوات العمل بعد التحرير.
وتفتح هذه التحولات نقاشاً حول طبيعة الضغوط التي تواجه الصناعة السورية، من خلال تتبع جذور الاختلالات البنيوية والعوامل التي أسهمت في تعميقها، إلى جانب ديناميات المرحلة الراهنة التي تعيد تشكيل مسار القطاع ضمن منظومة اقتصادية أوسع.
خلل بنيوي
يرى الخبير الاقتصادي، محمد الشهابي، أن توصيف الوضع الحالي للقطاع الصناعي بوصفه خللاً طارئاً لا يعكس الصورة الكاملة، موضحاً أن ما يجري يمثل امتداداً لخلل بنيوي قديم برزت ملامحه بشكل أوضح بعد عام 2011، بينما كانت الصناعة تعمل قبل ذلك ضمن بيئة إنتاج قائمة، لكنها خاضعة لعوامل حماية واسعة ومستويات مرتفعة من البيروقراطية، إلى جانب تحديات مرتبطة بالحوكمة الاقتصادية.
وأضاف الشهابي، أن القدرة النسبية على الإنتاج والتصدير قبل تلك المرحلة ارتبطت بعوامل داعمة، من بينها انخفاض أسعار الطاقة، وتوفر اليد العاملة بتكلفة منخفضة، واستقرار نسبي في سعر الصرف، ما منح المنتج المحلي ميزة سعرية في الأسواق الإقليمية.
ويؤيد هذا التوجه الخبير الاقتصادي فيصل عطري، مشيراً إلى أن قطاع الطاقة كان يتمتع بدعم كبير قبل عام 2011، حيث بلغت نسبة دعم الوقود نحو 12 بالمئة من الناتج المحلي وفق تقارير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لعام 2007، وهو ما انعكس على خفض كلفة الإنتاج في قطاعات صناعية رئيسة مثل النسيج والصناعات الغذائية، بنسب وصلت إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالأسواق الخارجية.
وأوضح عطري أن هذا الدعم، رغم أثره في تخفيض الكلفة، ارتبط بكلفة مالية على الموازنة العامة، وفق تقديرات مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي، التي أشارت إلى انعكاسات هذا النمط على الكفاءة الاقتصادية وعلى أنماط الاستهلاك.
وأشار الشهابي إلى أن الدعم في تلك المرحلة ترافق مع مستويات من الحماية الجمركية، ما ساعد الصناعيين على الاستمرار ضمن بيئة تنافسية محدودة، إلى جانب توفر أسواق تصريف إقليمية أسهمت في دعم حركة التصدير.
ولفت إلى أن الصناعة السورية لم تكن غائبة عن التطور في بعض القطاعات، حيث برزت صناعات النسيج والألبسة الجاهزة ضمن قطاعات حققت حضوراً إقليمياً، إلى جانب تطور نسبي في بعض الصناعات الهندسية مثل آلات التعبئة والتغليف وخطوط الإنتاج، نتيجة خبرات محلية تراكمت عبر سنوات طويلة.
بالمقابل، لفت عطري إلى أن الصورة العامة للصناعة السورية قبل 2011 كانت أكثر تعقيداً، إذ اعتمدت بدرجات مختلفة على الحماية والدعم، مع ضعف في مستويات المنافسة الخارجية في عدد من القطاعات، باستثناء بعض الصناعات التي تمكنت من تحقيق جودة تنافسية محدودة.
كما أن غياب بيئة الابتكار الفعّالة، وضعف تطبيق حقوق الملكية الفكرية، أسهما في تقليص فرص التطوير الصناعي، وهو ما انعكس على قدرة القطاع على التوسع النوعي في أسواق التصدير، وفق العطري.
مسار التعافي
تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن مسار التصدير الصناعي شهد تراجعاً خلال العقود الماضية، مع انخفاض قيمة الصادرات غير النفطية وتراجع حصة المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، إضافة إلى ضعف التوسع في الأسواق الخارجية مقارنة بقدرات الإنتاج المحلية.
وبعد عام 2011، تعرضت المنظومة الصناعية لضغوط مركبة، شملت تراجع الدعم، وارتفاع كلفة الطاقة، وانخفاض قيمة العملة، وخروج جزء من اليد العاملة، وتقلص الأسواق الداخلية والخارجية، ما أدى إلى إعادة تشكيل واقع الإنتاج بشكل كامل.
ويظهر الواقع الصناعي اليوم في سوريا كمنظومة تعمل تحت ضغط مستمر، حيث يستمر الإنتاج لكن بكلفة أعلى وكفاءة أقل، مع محدودية في القدرة على مواجهة الصدمات المرتبطة بالطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد.
ورأى الشهابي أن المرحلة الحالية لا يمكن وصفها بنموذج اقتصادي مستقر، إذ تتداخل فيها أدوات السوق مع أشكال متفاوتة من التدخل، بما يخلق بيئة اقتصادية غير مستقرة لا تتبع إطاراً إنتاجياً واضحاً، بل تتشكل وفق متغيرات ظرفية مستمرة.
وفي قراءة موازية، أشار عطري إلى أن الوضع الحالي يمثل مرحلة انتقالية في بنية الصناعة، حيث تتطلب عملية التعافي وقتاً وإصلاحات تدريجية، مع التركيز على إعادة بناء الأسس الإنتاجية بدلاً من الاعتماد على أدوات إسعافية مؤقتة.
وأكد أن النهوض الصناعي يرتبط بقطاعات داعمة، وفي مقدمتها الزراعة، إلى جانب الاستفادة من التوصيات الصادرة عن مؤسسات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والبنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بما يسهم في بناء رؤية اقتصادية أكثر تماسكاً.
ورأى الخبير الاستثماري محمد الطباخ، أن إعادة تشغيل القطاع الصناعي بعد الأزمات تتجاوز مفهوم إعادة تشغيل المصانع، لتشمل إعادة بناء سلاسل التوريد والعقود والأسواق، بما يضمن استعادة دورة الإنتاج بشكل متكامل.
وأضاف الطباخ أن مسار التعافي يعتمد على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في بيئة استثمارية تقلل المخاطر، وتمويل صناعي طويل الأمد، وتطوير تدريجي لسلاسل القيمة المحلية، بما يحد من الاعتماد على الاستيراد ويعزز الإنتاج المحلي.
كما شدد على أهمية تطوير البنية اللوجستية والطاقة، إلى جانب تعزيز الحماية الذكية للصناعة وربطها بسياسات تصدير مستقرة قائمة على الجودة والمعايير الموحدة.
ويبدو أن مستقبل الصناعة السورية مرتبط بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نموذج إنتاجي متكامل، يستند إلى معالجة جذور الاختلالات، وتحديث البنية الصناعية، وتطوير أدوات التمويل والتشغيل، بما يتيح إعادة بناء قطاع صناعي قادر على خلق قيمة مضافة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة السورية تطلق موقعها الإلكتروني الجديد
صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام:https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
