الثروة السمكية في سوريا.. خطة لإنتاج 225 ألف طن سنوياً بحلول 2035

أخبار الصناعة السورية:

في ظل أزمات عالمية متكررة وتحديات مناخية غير مسبوقة، يبرز قطاع الثروة السمكية في سوريا كأحد الركائز الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي الوطني.

و يكشف مدير المؤسسة العامة للثروة السمكية، المهندس إياد خضرو، عن واقع هذا القطاع الحيوي، مسلطاً الضوء على التحديات المعقدة التي تواجهه، والفرص الاستثمارية الكبيرة التي تنتظره، والخطط الطموحة التي ترسم ملامح مستقبل جديد للثروة السمكية في سوريا.

 

أزمات متشابكة

يؤكد خضرو أن القطاع السمكي السوري يعاني من أزمات مترابطة تشكل مجتمعة تهديداً لاستدامته.

ويوضح أن التغيرات المناخية تأتي في مقدمة هذه التحديات، إذ تسببت بجفاف واسع النطاق وانخفاض حاد في منسوب المياه بالعديد من السدود والمسطحات المائية، مما أثر سلبياً وبشكل مباشر على عمليات الاستزراع السمكي، وأدى إلى تراجع الإنتاج في بعض المناطق.

يضيف خضرو أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يشكل عبئاً مضاعفاً على المربين، خاصة في ظل صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج الأساسية كالأعلاف المستوردة والإصبعيات (صغار الأسماك) عالية الجودة، إضافة إلى المحروقات اللازمة لتشغيل المضخات وأنظمة التهوية في المزارع.

هذا الوضع أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف الإنتاج النهائي، مما انعكس على أسعار الأسماك في الأسواق المحلية.

خطر وجودي

يصف مدير المؤسسة العامة للثروة السمكية، ظاهرة الصيد الجائر والمخالف بأنها “خطر وجودي” يهدد مستقبل الثروة السمكية في البلاد. ويكشف عن استخدام طرق صيد مدمرة وغير قانونية، أبرزها المتفجرات والسموم، وهي ممارسات “وحشية” لا تميز بين كبير الأسماك وصغيرها، وتؤدي إلى تدمير كامل للنظام البيئي المائي.

كما يشير إلى مشكلة استخدام الشباك ذات الفتحات الضيقة جداً، والتي تحصد صغار الأسماك قبل بلوغها سن التكاثر، مما يحرم المخزون السمكي من فرصة التجدد الطبيعي.

ويضيف أن العديد من المزارع السمكية والمفرخات في القطاعين العام والخاص تضررت بشدة خلال السنوات الماضية، وتوقف الكثير منها عن العمل، مما فاقم من أزمة الإنتاج المحلي.

قاتل صامت

يصف خضرو التلوث بأنه “خطير ومباشر” يهدد الأمن الغذائي والتوازن البيئي معاً. ويوضح بالتفصيل الآليات المدمرة للتلوث، حيث يؤدي التلوث بالبلاستيك والنفط والمواد الكيميائية إلى تدمير موائل الأسماك الطبيعية والشعاب المرجانية وأماكن وضع البيض، مما يقلل من فرص تكاثر الأسماك ونمو صغارها.

أما الخطر الأكبر، بحسب خضرو، يكمن في الملوثات العضوية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي تسبب ظاهرة “الإثراء الغذائي” أو “النمو الطحلبي” المفرط، حيث تستهلك الطحالب الأكسجين الذائب في الماء وتؤدي إلى اختناق الأسماك بشكل جماعي، مما يخلق ما يعرف علمياً بـ”المناطق الميتة” الخالية من الحياة.

ويحذر خضرو من الخطر الصحي المتمثل بتراكم المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة في أنسجة الأسماك، مما يسبب تشوهات وراثية ونفوقاً واسعاً، والأخطر من ذلك انتقال هذه السموم إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية، مما يشكل تهديداً حقيقياً للصحة العامة.

إنقاذ القطاع

سعياً لإنقاذ الثروة السمكية، يكشف مدير المؤسسة عن حزمة إجراءات متكاملة تتخذها الحكومة لمواجهة هذه التحديات. ويوضح أن الجهود تبدأ من التشدد في تطبيق القوانين والتشريعات البيئية وتحديثها بشكل دائم، لمنع إلقاء النفايات الصناعية والصحية في المسطحات المائية دون معالجة.

وفي خطوة نوعية للحفاظ على التنوع البيولوجي، يعلن خضرو التوسع في إقامة المحميات البحرية ومناطق المحيط الحيوي، حيث يُحظر تماماً أي نشاط صيد أو أي نشاط ضار آخر، بهدف منح المخزون السمكي فرصة حقيقية للتعافي بعيداً عن ضغوط التلوث والصيد الجائر.

ولتعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر، يوضح أن المؤسسة تعمل على إدخال تقنيات متطورة تعتمد على الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد، للمراقبة المستمرة والكشف المبكر عن بقع الزيت أو أي تلوث كيميائي، مما يتيح التدخل السريع للحد من الأضرار.

وتشمل الجهود أيضاً إطلاق حملات وطنية لتنظيف الشواطئ وتشجيع المواطنين على تقليل الاعتماد على البلاستيك أحادي الاستخدام، لمنع وصوله إلى المياه العامة.

وحول تعزيز الإنتاجية، يؤكد خضرو الدور المحوري الذي تلعبه مراكز الأبحاث في تطوير الاستزراع السمكي، مشيراً إلى أنها تعمل على عدة جبهات متوازية لتحقيق قفزة نوعية في الإنتاجية.

ويوضح أن هذه المراكز تقوم بأبحاث متقدمة لاستنباط سلالات جديدة من الأسماك سريعة النمو ومقاومة للأمراض، مستشهداً بتجربة إنتاج “المشط النيلي وحيد الجنس” التي أثبتت نجاحها في رفع الإنتاجية.

ويلفت خضرو إلى أن الباحثين يستخدمون تقنيات وراثية متطورة لتحديد الأصول الوراثية التي تتميز بمعدلات نمو عالية وكفاءة تحويل غذائي ممتازة، وقدرة على تحمل الظروف البيئية المتغيرة، مما ينتج سلالات أفضل أداء وأعلى إنتاجية. كما تعمل المراكز على تطوير سلالات قادرة على التكيف مع درجات ملوحة المياه المختلفة ومقاومة أمراض بعينها، مما يقلل من نسب النفوق في المزارع ويرفع من ربحية المستثمرين.

أما على صعيد الأعلاف، فيكشف خضرو عن جهود لتطوير أعلاف متوازنة غذائياً تعتمد على بدائل بروتينية محلية أقل تكلفة من مسحوق السمك التقليدي المستورد، دون التأثير على معدلات النمو. كما يتم العمل على إنتاج أعلاف سهلة الهضم والامتصاص، مما يقلل من الهدر وكمية المخلفات الصلبة في الماء، ويحافظ على جودة البيئة المائية.

وتشمل الأبحاث أيضاً تطوير تركيبات علفية تناسب مراحل النمو المختلفة للأسماك، بالإضافة إلى أعلاف مدعمة بالمنشطات المناعية لتعزيز صحة الأسماك ومقاومتها للأمراض.

فرص استثمارية

يؤكد مدير المؤسسة العامة للثروة السمكية أن قطاع الاستزراع السمكي في سوريا يُعد حالياً من أكثر القطاعات الزراعية جذباً للاستثمار، وذلك بفضل توفر الموارد المائية الواسعة، والارتفاع المستمر في الطلب المحلي على الأسماك، وعدم كفاية الإنتاج الحالي لتغطية احتياجات السوق.

ويشير إلى أن الهيئة العامة للثروة السمكية تعمل على تشجيع الاستثمار من خلال حزمة من المشاريع والتسهيلات للمستثمرين.

ويكشف خضرو عن فرص استثمارية واسعة في مجال إنشاء المزارع السمكية في المياه العذبة، سواء كانت ترابية أو إسمنتية، في السدود وعلى ضفاف الأنهار، خاصة لتربية أسماك الكارب والمشط (البلطي) والسلور.

ويوضح أن هذه الفرص تشمل إنشاء مزارع جديدة وإعادة تأهيل المزارع المتوقفة، والاستثمار في أنظمة الأحواض المكثفة عالية الإنتاج، مشيراً إلى أن سوريا تملك حوالي 2000 كيلومتر مربع من المسطحات المائية العذبة القابلة للاستثمار.

أما على الساحل السوري، فيصف خضرو الاستزراع البحري بالأقفاص العائمة بأنه “أهم استثمارات المستقبل”، داعياً المستثمرين إلى اغتنام فرصة تربية أنواع ذات قيمة اقتصادية عالية مثل القجاج واللقز والتونة الصغيرة والقريدس. وتتميز هذه التقنية بإنتاجيتها العالية وقدرتها على استغلال المساحات البحرية الواسعة، خاصة في ظل التوجه الحكومي للتوسع في الأقفاص البحرية، حيث تقدر المسطحات البحرية القابلة للاستثمار بحوالي 3500 كيلومتر مربع.

 

كما يلفت إلى الفرص الكبيرة في إنشاء مفرخات الأسماك، نظراً للنقص الحاد في الإصبعيات محلياً، مشيراً إلى أن الحكومة تخطط لإنتاج نحو أربعة ملايين إصبعية سنوياً لتلبية احتياجات المزارع، مما يعني أن الطلب على المفرخات التجارية مرتفع جداً، خاصة لأنواع الكارب والمشط والسلور والدنيس والقجاج البحري.

آفاق الدعم

لم يغفل خضرو الحديث عن أوضاع الصيادين الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع التقليدي، ويعدد التحديات التي يواجهونها يومياً، وفي مقدمتها تراجع المخزون السمكي نتيجة عقود من الصيد الجائر وتأثيرات التغير المناخي، الذي يرفع حرارة المياه ويؤثر في دورة حياة الأسماك وهجراتها.

وفي هذا المجال، يشير إلى أن ارتفاع تكاليف العمل أصبح عبئاً، حيث قفزت أسعار الوقود ومعدات الصيد وصيانة القوارب بشكل كبير، مع صعوبة الحصول على تمويل أو قروض ميسرة.

كما تعمق المنافسة غير العادلة من معاناة الصيادين، مع دخول سفن صناعية ضخمة إلى مناطق الصيد التقليدية، واستخدام بعض الصيادين المخالفين لأساليب مدمرة كالمتفجرات والشباك المحظورة.

ويكشف خضرو عن آليات متكاملة لدعم الصيادين للانتقال إلى أساليب صيد مستدامة. تبدأ هذه الآليات بتوفير برامج تدريب وتوعية مكثفة حول تقنيات الصيد الانتقائي التي تحمي صغار الأسماك، وحماية الشعاب المرجانية، واحترام مواسم التكاثر.

وتتضمن آليات الدعم أيضاً دعماً مالياً وفنياً عبر منح وقروض ميسرة لشراء معدات صيد صديقة للبيئة، وتحويل المحركات إلى أنواع أقل استهلاكاً للوقود وأقل تلويثاً للبيئة.

ويبين خضرو أن وزارة الزراعة تعمل على تنظيم مواسم الصيد بدقة، من خلال وضع فترات منع صيد خلال مواسم التكاثر، وتحديد حصص صيد عادلة تمنع الاستنزاف. وفي خطوة مهمة لتعزيز الثقة مع المجتمع المحلي، يتم إنشاء مناطق بحرية محمية تشارك فيها مجتمعات الصيادين في المراقبة والإدارة، مما يسمح للمخزون السمكي بالتجدد بشكل طبيعي.

ولتحسين الوضع الاقتصادي للصيادين، يؤكد خضرو أهمية تحسين سلاسل القيمة عبر إنشاء أسواق منظمة تضمن أسعاراً عادلة، ودعم مشاريع التصنيع الغذائي كالتجفيف والتعليب والتبريد لزيادة دخل الصيادين وتقليل الفاقد.

ويشدد خضرو على أهمية تشجيع العمل التعاوني، لأن التعاونيات تمنح الصيادين قوة تفاوضية أكبر، وتساعدهم على شراء المعدات بأسعار أفضل، وتسويق منتجاتهم بشكل أكثر كفاءة.

رؤية طموحة

يستعرض مدير المؤسسة العامة للثروة السمكية الرؤية الحكومية طويلة الأمد، التي تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في الإنتاج السمكي الوطني.

ويكشف أن الهيئة العامة للأسماك أعدت دراسات متكاملة، ووضعت خطة استراتيجية طموحة لزيادة الإنتاج ليصل إلى 225 ألف طن سنوياً بحلول عام 2035، وهو ما سيرفع نصيب الفرد السوري من استهلاك الأسماك ليماثل المستوى العالمي، ويسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن الغذائي الوطني.

وتعتمد هذه الخطة الطموحة على خمسة محاور رئيسة:

أولاً: زيادة عدد المفرخات للمياه العذبة وتوزيعها جغرافياً بشكل استراتيجي يضمن تغطية جميع مناطق البلاد.

ثانياً: رفع إنتاجية الأسماك ضمن وحدة المساحة من خلال إدخال التقنيات الحديثة في أنظمة الاستزراع المكثف وشبه المكثف.

ثالثاً: إعادة تأهيل وتشغيل المزارع السمكية التي توقفت عن الخدمة خلال السنوات الماضية، سواء في القطاع العام أو الخاص.

رابعاً: التوسع الكبير في إدخال تقنية التربية ضمن الأقفاص العائمة، سواء في الأنهار والمياه العذبة أو في المزارع البحرية على طول الساحل السوري.

خامساً: إدخال أصناف جديدة من الأسماك ذات عائد اقتصادي كبير وطلب عالمي مرتفع، مثل أسماك “الباسا” التي تتميز بسرعة نموها وجودة لحومها.

بهذه الرؤية الشاملة والخطط الاستراتيجية، ترسم المؤسسة ملامح مستقبل جديد لقطاع الثروة السمكية، يوازن بين استغلال الموارد الطبيعية والحفاظ على استدامتها، ويحوّل التحديات الراهنة إلى فرص استثمارية حقيقية، مؤسساً لمرحلة من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي المستدام.

 

الثورة السورية

 

 

اقرأ أيضاً: نحو 250 منشأة غذائية في المدينة الصناعية بحسياء

 

صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen