الحرف المعدنية في سوريا بين ضغوط التكلفة وتحديات البقاء

أخبار الصناعة السورية:

رغم ما تمتلكه الحرف المعدنية في سوريا من خبرات متراكمة ودور تاريخي في دعم الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل، إلا أنها تواجه اليوم تحديات متشابكة تهدد قدرتها على الاستمرار، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والمواد الأولية، وتراجع التصدير، وتقلبات سعر الصرف.

وبين مطالب الحرفيين بتوفير الدعم وتخفيف الأعباء، ومساعي الجهات المعنية لتنظيم القطاع وتطوير بيئته التشريعية، يبرز سؤال عن قدرة هذه المهن على الحفاظ على حضورها الاقتصادي واستعادة دورها الإنتاجي في المرحلة المقبلة.

والحرف المعدنية هي مجموعة من المهن التي تقوم على تشكيل المعادن ومعالجتها عبر عمليات القص واللحام والثني والخراطة، بهدف إنتاج أدوات وتجهيزات متنوعة للاستخدام المنزلي والصناعي.

وتشمل هذه الحرف أعمال الحدادة العامة، وتشكيل الصاج، وتصنيع القوالب المعدنية، وخراطة المعادن، وصناعة المفاتيح، وإنتاج الأثاث والتجهيزات المعدنية، وتُعد من القطاعات الإنتاجية التي تعتمد على الخبرة اليدوية والمهارة المتراكمة.

تحديات تواجه التكلفة

تواجه الورش الحرفية في سوريا ضغوطاً متزايدة تتجاوز التكاليف وضعف الطلب، لتشمل صعوبات في تأمين المواد الأولية، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تحديات متعلقة بالطاقة والنقل والتنظيم الحرفي، ما ينعكس مباشرة على استمرارية الإنتاج وقدرة الورش على البقاء والتوسع.

ويعمل الحرفي محمد عمر ساني، في مهنة كبس المعادن وتصنيع القوالب المعدنية منذ أكثر من 33 عاماً داخل ورشته في منطقة القابون الصناعية بدمشق، ويشمل عمله تشكيل الصاج وإنتاج تجهيزات معدنية متنوعة للمنازل والحدائق، مثل الطاولات والكراسي والأرجوحات وغيرها.

وقال الحرفي إن المهنة شهدت في سنوات سابقة نشاطاً ملحوظاً، خاصة مع انفتاح أسواق التصدير نحو العراق والأردن وتركيا، حيث كانت المنتجات السورية تحظى بطلب واسع، ما أسهم في تأمين فرص عمل لعدد كبير من الحرفيين.

وأضاف أن أبرز التحديات الحالية تتمثل في مشكلة الكهرباء، لا سيما للورش الواقعة خارج المدن الصناعية، ما ينعكس سلباً على الإنتاج واستمرارية العمل، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية، خاصة الصاج المستخدم في التصنيع، الأمر الذي أدى إلى زيادة ملحوظة في تكاليف الإنتاج.

كما أشار إلى أن تراجع التصدير خلال السنوات الماضية أثّر بشكل مباشر في حركة السوق ودوران رأس المال، بعد أن كانت الورش السورية تتمتع بقدرة تنافسية في الأسواق الخارجية.

وأوضح أن تقلبات سعر صرف الليرة السورية تشكل أحد أبرز التحديات، إذ تتبدل أسعار المواد الأولية بسرعة كبيرة، ما يؤدي أحياناً إلى خسائر مباشرة للحرفيين بين مراحل الشراء والإنتاج والبيع.

وحول دور الجمعيات الحرفية، لفت إلى أنه منتسب إلى جمعية تشكيل المعادن منذ عام 2014، مؤكداً أن الجمعيات لعبت سابقاً دوراً مهماً في تأمين بعض المواد الأساسية كالمحروقات والغاز، إضافة إلى تسهيل استيراد بعض خطوط الإنتاج عبر القنوات الرسمية.

وطالب الحرفي بضرورة توفير المواد الأولية محلياً بأسعار مدروسة، وتسهيل عمليات التصدير، والعمل على تثبيت سعر الصرف قدر الإمكان، إلى جانب دعم قطاع الحرف عبر تخفيف الأعباء التشغيلية، لا سيما تكاليف الطاقة.

من جهته، تحدث الحرفي أحمد دياب، الذي يعمل في مهنة الحدادة العامة داخل ورشته بمنطقة جرمانا في ريف دمشق، عن التحديات التي تواجه العاملين في هذا القطاع، مؤكداً أن المهنة لا تزال صامدة رغم الظروف الصعبة.

وأوضح الحرفي أن ورش الحدادة العامة تنتج الأبواب والشبابيك والحمايات المعدنية وأعمال الديكور الحديدي، لكنها تعاني بشكل يومي من ارتفاع تكاليف التشغيل وانقطاع الكهرباء وغلاء المواد الأولية، مشيراً إلى أن وجود الورش داخل الأحياء السكنية أصبح قضية مطروحة باستمرار، إلا أن نقل جميع الورش إلى المدن الصناعية ليس أمراً سهلاً في الوقت الحالي، بسبب التكاليف المرتفعة وصعوبة تأمين البدائل المناسبة.

واعتبر أن الحل الأفضل يتمثل في تنظيم عمل الورش وفق ضوابط محددة، مع معالجة الحالات المزعجة فقط، بدلاً من الإغلاق أو النقل القسري الذي قد يؤدي إلى توقف الكثير من الحرفيين عن العمل.

ودعا إلى منح الحرفيين صفة رسمية معترفاً بها، بما يسهم في تسهيل عملهم ويفتح المجال مستقبلاً أمام إعادة تنشيط التصدير وتحسين جودة الإنتاج المحلي.

أما الحرفي فايز خير الكل، صاحب ورشة لتصنيع المفاتيح في منطقة القدم بدمشق، فيشدّد على أن الحرفيين يحتاجون اليوم إلى بيئة عمل مستقرة ودعم حقيقي يساعدهم على الاستمرار، خاصة أن هذه المهن تشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات، وتلعب دوراً مهماً في دعم الاقتصاد المحلي.

أكثر من 2400 حرفي

في ظل التحديات التي تواجه الحرفيين، يبرز دور الجمعيات الحرفية بوصفها الجهة المعنية بتنظيم المهنة وتأمين التسهيلات اللازمة لاستمرار الورش ودعم الحرفيين، إلى جانب الإسهام في دعم الإنتاج المحلي.

وضمن هذا السياق، قال رئيس مجلس إدارة الجمعية الحرفية لتشكيل المعادن بدمشق وريفها سهيل الغوراني إن الجمعية تأسست بموجب قرار وزير الصناعة رقم 103 لعام 1970، ولا تزال تعمل وفق المرسوم رقم 250 لعام 1969 وتعديلاته، والذي يُعد الإطار الناظم لعمل الجمعيات الحرفية.

وأوضح الغوراني أن مجلس الإدارة يعمل بالتعاون مع اتحاد الحرفيين بدمشق وريفها على تقديم التسهيلات الممكنة للحرفيين ضمن القوانين والأنظمة النافذة.

كما أشار إلى وجود توجه لاستصدار قرار يتيح اعتماد أختام الجمعيات الحرفية المصدّقة من الاتحاد الفرعي بمثابة شهادة منشأ للمنتجات الحرفية، بما يتيح للحرفيين تصدير منتجاتهم بصورة رسمية، على غرار ما هو معمول به في غرف الصناعة، حيث يُعتمد ختم الغرفة المصدّق على الفواتير بمثابة شهادة منشأ تتيح للصناعي تصدير إنتاجه.

وأضاف أن هناك توجهاً حقيقياً نحو دعم الحرفيين لتصدير منتجاتهم عبر خطوات وإجراءات مماثلة لما هو معمول به في غرف الصناعة، لما لذلك من أثر في دعم الحرفيين، واستقطابهم للانتساب إلى الجمعيات الحرفية بشكل عام، وإلى جمعية تشكيل المعادن بشكل خاص.

ويبلغ عدد المنتسبين إلى الجمعية أكثر من 2400 حرفي ضمن اختصاصات متعددة تشمل تشكيل المعادن، ونسخ المفاتيح، وتصنيع الأراكيل، وخراطة المعادن، والمجوهرات التقليدية، والحدادة العامة، وحفر الآبار وتصليح الحفارات، والأعمال الصحية، وفقاً للغوراني.

ولفت إلى أن المرسوم الحالي رقم 250 لعام 1969 لا يجيز اتخاذ أي إجراء بحق من لا يرغب بالانتساب إلى الجمعية، حيث جعل الانتساب اختيارياً وليس إلزامياً، مشيراً إلى أن أي تعديل مستقبلي للتشريعات قد يتيح تقديم مزايا وامتيازات إضافية للحرفيين المنتسبين.

بين التنظيم والحفاظ على المهنة

فيما يتعلق بوجود الورش داخل المدن، أكد الغوراني أن الجمعية تدرس نقل بعض الورش إلى المناطق الصناعية ضمن الإمكانات المتاحة.

وأشار إلى أن مجلس الإدارة يشرف حالياً على استكمال بناء مدينة حرفية ضمن مشروع “المجمع الحرفي الخاص بالدير علي”، المتوقف منذ عام 2009، حيث تم فعلياً الإقلاع بالبناء بعد التحرير، تمهيداً لنقل العديد من الحرف المنتشرة داخل المدينة، لافتاً إلى أن الجمعية تمتلك كوادر خبيرة ومتميزة، ولها دور محوري متوقع في مرحلة إعادة الإعمار.

بالمقابل، يرى عدد من الحرفيين أن نقل الورش بشكل كامل إلى المدن الصناعية يواجه صعوبات كبيرة، خاصة بالنسبة للمهن المرتبطة مباشرة بالأسواق والأحياء السكنية، ما يشكل تهديداً مباشراً لعملهم ويؤثر في تسويق منتجاتهم.

وفي ظل تداخل الأنشطة الحرفية مع الطابع السكني والتجاري في عدد من أسواق دمشق القديمة، يتجدد الجدل حول آليات تنظيم عمل الورش والمحال، بين مطالب بالحد من الإزعاج وتنظيم المهنة، ومطالب أخرى بالحفاظ على الطابع الحرفي للأسواق التي ارتبطت تاريخياً بهذه الأنشطة ومثّلت جزءاً من هوية العمل التقليدي في المدينة.

ومؤخراً، رفض العديد من الحرفيين في سوق الحدادين والمناخلية بدمشق القديمة منعهم من ممارسة الأنشطة الصناعية داخل السوق والاكتفاء بالنشاط التجاري.

وقال أحد الحرفيين، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه: “أقدم خدمات يحتاجها الناس يومياً، مثل إصلاح المواسير ولحام السخانات والأدوات المنزلية”.

ويؤكد حرفيون أن الحل لا يكون بإغلاق الأسواق التاريخية أو نقل المهن بشكل كامل، مطالبين بتنظيم العمل وضبط المخالفات وتحديد ساعات العمل بما يراعي مصلحة السكان والحرفيين معاً.

في المقابل، يشكو بعض الأهالي من الإزعاج الناتج عن أصوات المعدات وأعمال اللحام والانبعاثات داخل الأحياء السكنية، مطالبين بتنظيم عمل الورش والحد من المخالفات التي تؤثر على الحياة اليومية للسكان.

من جهتها، أعلنت محافظة دمشق أن مهندسين مختصين أجروا دراسة ميدانية في سوق المناخلية، بهدف تحديد مصادر الإزعاج، وذلك عقب شكاوى وردت من الأهالي، وتبين وجود بعض الآليات الثقيلة التي تتسبب بإيذاء الجوار.

وأضافت المحافظة أنه سيتم نقل هذه الآليات من بعض المحلات إلى المناطق الصناعية المتخصصة، مع تحديد أوقات للفتح والإغلاق، وذلك ضمن إجراءات تنظيمية تهدف إلى الاستجابة للشكاوى ضمن الأطر القانونية والرخص الممنوحة، وليس كإنذارات بالإخلاء.

القدرة على الاستمرار

رغم التحديات الاقتصادية والتنظيمية التي يواجهها القطاع الحرفي، يؤكد العاملون فيه أن استمرار هذه المهن يبقى مرهوناً بتوفير بيئة إنتاج مستقرة توازن بين متطلبات التنظيم واحتياجات الحرفيين.

وفي هذا السياق، شدد الغوراني على أن القطاع الحرفي ما زال قادراً على الاستمرار بفضل الخبرات المتراكمة والتمسك بالمهنة، مع تطلع إلى مرحلة تشهد مزيداً من الاستقرار الاقتصادي والتنظيمي، بما يسهم في إعادة تنشيط الإنتاج والأسواق والتصدير، ويحافظ في الوقت نفسه على المهن التقليدية بوصفها جزءاً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية.

رأس المال التشغيلي

في قراءة لواقع القطاع الحرفي والإنتاجي بشكل عام، أوضح الخبير الاقتصادي رضوان الدبس لصحيفة “الثورة السورية” أن الحرف الصغيرة والمتوسطة تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار المنتجات وحركة الأسواق، محذراً من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع عدداً من الورش والمنشآت إلى تقليص إنتاجها أو الخروج من السوق.

وأشار الدبس إلى أن ارتفاع التكاليف يفرض على الحرفيين رفع أسعار منتجاتهم لتعويض النفقات المتزايدة، إلا أن السوق المحلية لا تمتلك القدرة الكافية على تحمّل زيادات كبيرة في الأسعار، ما يؤدي إلى تراجع حجم المبيعات وضعف القدرة الشرائية.

وأضاف أن المشكلة تشمل أيضاً الحاجة إلى زيادة رأس المال التشغيلي، إذ إن الورش التي كانت تعمل سابقاً ضمن رؤوس أموال محددة باتت اليوم بحاجة إلى سيولة أكبر لتأمين المواد الأولية واستمرار الإنتاج، وهو ما يضع المنشآت الصغيرة أمام ضغوط مالية متزايدة.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن المرحلة الحالية تتطلب وقتاً حتى تستقر الأسواق وتتأقلم مع مستويات الأسعار الجديدة، مبيناً أن المنشآت التي لا تمتلك قدرة كافية على الصمود قد تضطر إلى تقليص العمالة أو خفض حجم الإنتاج لتجاوز حالة الركود.

وحول تأثير تراجع التصدير وتقلبات سعر الصرف، رأى الدبس أن تراجع الصادرات يرتبط بشكل أساسي بالظروف الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والنقل والمواد الأولية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات السورية في الأسواق الخارجية وتراجع قدرتها التنافسية.

وأكد أن بعض الصناعات الحرفية كانت تتمتع سابقاً بقدرة تنافسية في التصدير، إلا أن ارتفاع التكاليف جعل العديد منها أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، مؤكداً في الوقت نفسه أن التعامل بالدولار في عمليات التصدير يخفف نسبياً من أثر تقلبات سعر الصرف على المصدّرين، في حين تبقى السوق المحلية الأكثر تأثراً نتيجة التعامل بالليرة السورية وعدم استقرارها.

تحقيق التوازن

تعليقاً على التوجه نحو نقل الورش إلى المدن الصناعية، اعتبر الدبس أن ذلك يمثل خطوة تنظيمية واقتصادية مهمة على المدى البعيد، لما توفره تلك المدن من بنية تحتية وخدمات أفضل تشمل الكهرباء والاتصالات والطرق والمواصلات.

وأوضح أن عملية النقل قد ترافقها تكاليف إضافية في المراحل الأولى، لكنها تحقق في المقابل فوائد تنظيمية وبيئية وصحية، إلى جانب تحسين بيئة العمل والإنتاج على المدى الطويل.

وأشار إلى أهمية تحقيق توازن بين متطلبات التنظيم الحضري والحفاظ على المهن الحرفية التقليدية، مقترحاً تخصيص أسواق أو مواقع محددة داخل المدن للحرف التقليدية بما يحافظ على طابعها التراثي ويحد من تأثيرها داخل المناطق السكنية.

وأكد الدبس أن الحرف المعدنية قادرة على استعادة دورها التصديري في حال توفر بيئة إنتاج مستقرة ودعم فعلي يخفف من تكاليف المواد الأولية والرسوم والضرائب.

كما دعا إلى تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية وغرف الصناعة والتجارة واتحادات الحرفيين لدعم الورش الإنتاجية، مشدداً على أن استمرار هذه المنشآت من دون دعم كافٍ يبقى أمراً صعباً في الظروف الحالية.

وفي رأي الخبير الاقتصادي، فإن الورش الحرفية الصغيرة تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي نظراً لقدرتها على توفير فرص العمل وتحريك النشاط الإنتاجي، وإن دعم هذا القطاع يمثل خطوة مهمة في مسار إعادة الإعمار.

 

 

الثورة السورية

 

 

اقرأ أيضاً: حاضنة دمر صمام الأمان لـ 62 حرفة سورية تراثية من الاندثار

 

صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen