أخبار الصناعة السورية:
تواجه صناعة الدوبلاج في سوريا تحديات تتداخل فيها التحولات الاقتصادية مع غياب التنظيم المهني، ما انعكس على بنية القطاع وأسعار خدماته ومستوى الاستقرار داخله. وبين توسع المنافسة غير المنضبطة وتباين آليات التسعير، تبدو هذه الصناعة التي شكّلت لعقود أحد أبرز ركائز الحضور الثقافي السوري في الأسواق العربية أمام تحديات تعيد رسم موقعها ودورها في المشهد الإعلامي.
والدوبلاج فن يعني تركيب صوت على آخر، ويُعمل به في الأفلام والمسلسلات، إذ يتم إلغاء صوت الممثل الأصلي، ووضع صوت شخصٍ آخر يؤديه بلغة أخرى وبلهجات مختلفة.
وخلال السنوات الماضية، باتت صناعة الدوبلاج، التي لا تعتمد على مواد أولية مستوردة أو مستلزمات إنتاج أو تكاليف نقل، تستقطب عدداً متزايداً من العاملين الجدد، باعتبارها مصدر دخل يعتمد على التعامل مع جهات خارجية ومرتبطاً بعمليات تسليم خارجية.
وأدى دخول هذا العدد من العاملين إلى تفاوتات سعرية واسعة، وصلت في بعض الحالات إلى مستويات منخفضة انعكست على الجدوى الاقتصادية لعدد من المتعاملين الجدد، ما دفع بعضهم إلى مغادرة السوق في مراحل مبكرة من دخولهم إليها.
وفي المقابل، تأثرت الأسعار المعتمدة لدى بعض الجهات الخارجية التي اعتادت على مستويات تسعير منخفضة، ما انعكس على عموم أسعار خدمات الدوبلاج بمختلف تخصصاتها، بما يشمل الأعمال الدرامية والوثائقية ورسوم التحريك.
وقد انعكس هذا التغير في هيكل الأسعار على مستويات الأجور داخل القطاع، حيث طالت التخفيضات عدداً من الفنيين، في حين لم تشمل أجور الممثلين المرتبطة بإطار نقابي منظم. كما شهدت آليات العمل تعديلات على مستوى الوقت والميزانيات، ما أدى إلى إعادة تنظيم أولويات الإنتاج بين متطلبات الاستمرارية ومتطلبات الحفاظ على الجودة الفنية.
أزمة أجور
خلال استطلاع، برزت حالة من التحفظ حيال مستقبل هذه الصناعة، حيث تصدرت التحديات المالية مجمل الطروحات منذ البداية، في حين لم تُسجَّل ملاحظات مباشرة حول تراجع المستوى الفني الذي بات يظهر على الشاشات، ما يشير إلى تحول في طبيعة الاهتمام لدى بعض المتعاملين مع القطاع باتجاه اعتباره نشاطاً تجارياً أكثر منه مجالاً فنياً.
يقول أحمد بركات، محاسب إحدى شركات الدوبلاج في دمشق، إن هذه الصناعة تتميز بطبيعة خاصة من حيث الزبائن، إذ إن إنتاجها والتعامل معها يكون مع محطات إعلامية ومنصات خارجية بشكل كامل، وبالتالي تُعد هذه الشركات من المصادر الرئيسة لدخول القطع الأجنبي إلى البلاد. إلا أن غياب التنظيم والرعاية لهذه المهنة أدى إلى تراجعها بشكل ملحوظ، نتيجة كثرة الشركات غير المرخصة وتنافسها على تخفيض سعر دقيقة الدوبلاج، ما أسهم في خلق منافسة غير منضبطة انعكست على مستويات الأسعار في كامل القطاع. كما أدى عدم وجود تسعير موحد إلى انقسام السوق إلى مستويات سعرية متفاوتة.
بدوره، أشار مهندس الصوت والمكساج مقداد علي، إلى أن الأجور في هذه المهنة لا يمكن ضبطها بسهولة، كونها محكومة منذ بداياتها “بالشللية واحتكار بعض الشركات لممثليها، ومساومتهم على تقديم أدوار بطولة مقابل خفض الأجور”، وهو ما ترتب عليه تشغيل ممثلين “غير كفؤين يسيئون للمهنة”، وفي ظل المنافسة القائمة بين الشركات بات المعيار هو السعر الأقل للدقيقة وليس التمايز بالجودة.
من جهته، اعترض دانيال الغريب، معد دوبلاج، على غياب تحديد واضح للأجور بين فرق العمل، مشيراً إلى وجود تفاوت في مستوياتها، رغم أن المعد يُعد عنصراً أساسياً في العمل، إلا أنه يتقاضى الأجر الأقل. وأضاف أن المعد المحترف بات يعرض خدماته على الشركات المختلفة للحصول على أعلى أجر ممكن، وكأن الأمر سوق تنافسية مفتوحة. في المقابل، تم إلزام مختلف الأطراف برفع أجور الممثلين بعد احتجاجات وتكتلات مهنية، ما جعل أجورهم أعلى بنحو عشرة أضعاف مقارنة بأجور المعدّين.
وأشار الغريب إلى أن مهنة إعداد الدوبلاج باتت مهددة بالزوال نتيجة الجهد الكبير مقابل أجور زهيدة مقارنة بالممثلين.
مرجعية مهنية غائبة
يرى كايد الطالب، مدير إحدى شركات الإنتاج والدوبلاج، أن هذه الصناعة في سوريا تشهد تراجعاً ملحوظاً نتيجة عوامل اقتصادية مرتبطة ببيئة السوق ذاتها، حيث أسهمت كثرة الشركات وتنافسها على خفض سعر الدقيقة في ظل غياب تسعير واضح وحد أدنى للأجور في خلق منافسة غير منضبطة بين الشركات المرخصة وغيرها. كما أن انتشار الاستوديوهات غير المرخصة أو ما يُعرف بـ “تحت الدرج” زاد من حدة التحديات، في ظل غياب مرجعية مهنية موحدة على غرار ما هو معمول به في العديد من المهن المنظمة.
إلا أنه لم يخفِ تفاؤله بإمكانية عودة القطاع إلى الازدهار، شرط استثمار المرحلة الحالية بشكل سليم، وتنظيم العمل ضمن بيئة تنافسية نزيهة، ولا سيما مع انفتاح السوق السورية على الخارج مجدداً.
ورغم الواقع الذي يعيشه فن الدوبلاج اليوم، لا تزال الفرص قائمة عبر استثمار المرحلة الانتقالية في تنظيم مهني سليم، وتوفير بيئة تنافسية نزيهة، ودعم البنية التحتية والتنظيمية، ووضع أسس واضحة لمنهجية الأجور، بما يمكن أن يسهم في استعادة هذه الصناعة لمكانتها كواحدة من أبرز الصادرات الثقافية السورية. ويُنظر إلى مستقبل القطاع في حال اتخاذ خطوات تنظيمية مبكرة، قبل أن يتحول التراجع إلى مسار غير قابل للعكس.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: صناعة دمشق تبحث مع الاتحاد العربي للصناعات الجلدية دعم المنتج المحلي ورفع الجودة
صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام:https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
