الاحتراق النفسي.. لا وقت للراحة.. كيف نحمي عقولنا من ثقافة العمل بلا توقف؟

أخبار الصناعة السورية:

في شوارع دمشق، حيث تتداخل أعباء المعيشة مع ضغوط العمل اليومي، يجد كثيرون أنفسهم عالقين بين مطرقة «الإنتاجية» وسندان «الإرهاق». لكن ثمة جملة يتناقلها الموظفون في المكاتب الحكومية والخاصة: لا وقت للراحة، الراحة لمن لا عمل لديه، لكن هذه الجملة، وفق خبراء الصحة النفسية، ليست سوى قناع تختبئ خلفه أزمة نفسية صامتة تتفاقم يوماً بعد يوموهنا يطلّ علينا سؤال ملحّ: هل نحن أمام ثقافة إنتاجية صحية، أم أمام موجة جديدة من الإنهاك المنظّم؟

في هذا السياق، يوضح خبير الصحة النفسية رامي صبرا أن الاحتراق النفسي لم يعد حالة فردية عابرة، بل أصبح ظاهرة مجتمعية تلامس قطاعات واسعة من السوريين، من المعلمين إلى الأطباء إلى الموظفين، وحتى الطلاب.

ويشير صبرا إلى أن الاحتراق النفسي يبدأ بمرحلة حماس مثالي مفرط، ثم ينتقل إلى مرحلة ركود تدريجي، قبل أن يصل إلى الإحباط العميق، وينتهي بمرحلة اللامبالاة والفراغ الداخلي، لافتاً إلى أن الإجهاد الانفعالي هو البعد الأول والأكثر وضوحاً في متلازمة الاحتراق، ويترجم بإرهاق في العمل لا يزول مع الراحة، مرفوق بإحساس بالهزيمة والفراغ.

ويضيف إن الأبحاث في سوريا أظهرت أن مستوى الاحتراق النفسي لدى معلمي التربية الخاصة في المنطقة الشمالية من سوريا جاء مرتفعاً، حيث تصدر بعد الإجهاد الانفعالي المرتبة الأولى، تلاه نقص الشعور بالإنجاز الشخصي.

الراحة.. ضرورة بيولوجية

ويؤكد صبرا أن الراحة ليست ترفاً ولا كسلاً، بل ضرورة بيولوجية لا تقبل التفاوض. فالإنسان الذي يعيش في حالة تنشيط مستمر، يعتاد جهازه العصبي على التوتر المزمن، حتى يصبح السكون أمراً غريباً وغير مريح.

ويشرح أن تفعيل الجهاز العصبي اللاودي، المسؤول عن الاسترخاء والاستشفاء، ليس خياراً بل حاجة بيولوجية ملحّة، تماماً كما يحتاج الرياضي إلى فترات راحة بين التدريبات المكثفة.

وهنا تبرز مفارقة خطيرة، وفق رؤية صبرا، الذي يقول: العجيب أن الصفات التي نعتز بها في أنفسنا، كالوضوح والصبر والإبداع والقدرة على اتخاذ القرار السليم، كلها تتدهور عندما نفتقر إلى فترات الاستشفاء، وهذا ما يفسر لماذا يجد المرهقون أنفسهم غير قادرين على الإنتاج، رغم أنهم يعملون لساعات أطول.

منطقة الراحة.. ليست عيباً

من جهة أخرى، يطرح صبرا رؤية مختلفة عن المفهوم السائد لـ«منطقة الراحة»، قائلاً: منطقة الراحة ليست الفخ الذي يجب تدميره بأي ثمن، بل هي نقطة الانطلاق الطبيعية لأي إنسان، المشكلة تكمن في الخطاب الذي يجعل الخروج منها واجباً مقدساً، بغض النظر عن العواقب.

ويستند صبرا إلى تقسيم المناطق الثلاث المعروف في علم النفس: منطقة الراحة، ومنطقة التعلم، ومنطقة الذعر. ويبين أن الخروج الجريء من منطقة الراحة يجب أن يكون تدريجياً، عبر منطقة التعلم، حيث يكون التوتر أمثلياً وقابلاً للتكيف، وليس قفزاً مباشراً إلى منطقة الذعر، حيث يرتفع الأداء؟ لا، بل ينخفض بشدة، ويحدث ما يسميه الباحثون الانتحار الوظيفي أو النفسي.

ويؤكد أن الانتقال غير المدروس من منطقة الراحة إلى منطقة الذعر مباشرة، دون المرور بمنطقة التعلم، ليس شجاعة بل تهوّراً، لأنه يستنزف الموارد النفسية والجسدية للفرد دون أن يمنحه الأدوات اللازمة للتكيف.

أرقام تتحدث

لا تقتصر خطورة الاحتراق النفسي على الجانب الفردي، هذا ما أشار إليه صبرا، وإنما تمتد لتشمل المجتمع بأسره، فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فقد شهدت سوريا زيادة بنسبة 80% في حالات الاكتئاب، و570% في اضطرابات ما بعد الصدمة المرتبطة بالتوتر، إلى جانب ارتفاع معدلات الوفيات والمراضة المرتبطة بهذه الحالات.

ويشير صبرا إلى أن الاحتراق النفسي لا يستثني أحداً، فهو يصيب الأطباء الذين يعملون خارج نوباتهم دون دعم كافٍ، والمعلمين الذين يواجهون أعباء متزايدة، والمتطوعين في مراكز الرعاية المجتمعية.

الطريق إلى التعافي

وهنا يقدم صبرا خطوات عملية للتعافي من الاحتراق النفسي، مستنداً إلى دراسات ميدانية، مبيناً أن هناك أبحاثاً أثبتت أن البرامج الإرشادية المعرفية السلوكية، التي تنمّي المرونة النفسية، لها أثر فعال في خفض الاحتراق النفسي، ويقترح إعادة تعريف الراحة من زاوية الاستشفاء الواعي، عبر فترات قصيرة ومنتظمة، كأن يخصص الشخص عشر دقائق يومياً للسكون، دون شاشات أو أهداف.

وشدد على أن السكون النشط، أي البقاء في حالة من الوعي دون تشتيت، هو أنجع علاج للاحتراق النفسي، على إنه ليس هروباً من الواقع، بل هو الخطوة الأصعب: مواجهة الأفكار التي تجنبناها، وقبول الصمت الذي هربنا منه، والسماح لأنفسنا بالشعور دون الاستعجال نحو المشتت التالي.

ويضيف: لا يمكن للإنسان أن يستمر في العطاء دون أن يتلقى، ولا في الإنتاج دون أن يستعيد، إن الاستثمار الحقيقي في أي مجتمع يبدأ من الاعتراف بأن الراحة ليست عيباً، بل هي شرط للاستمرارية والإبداع.

ويبقى السؤال: هل تبقى سرعة الإنجاز مقياساً لقيمة الإنسان؟ وهل نعمل لنعيش، أم نعيش لنعمل؟ الإجابة وفق ما ختم به صبرا حديثه: ليست في مزيد من الجهد، بل في إعادة اكتشاف قيمة الراحة، فالسكون النشط ليس نهاية الطريق، بل هو المكان الذي تتجدد فيه الطاقة، وتتفتح فيه الأفكار، ويستعيد فيه الإنسان إنسانيته.

الحرية

 

اقرأ أيضاً: البطالة في سوريا.. أزمة مهارات أم وظائف

 

صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen