أخبار الصناعة السورية:
من الواضح جداً أن إعادة بناء الثقة بالمنتجات الوطنية والتخلص من العقبات التي تعترض العملية الإنتاجية لم تعد مجرد خيار، بل باتت من الأولويات التي تفرضها متطلبات المرحلة المقبلة، في ظل الحاجة إلى تحفيز الإنتاج واستثمار الموارد المحلية وتعزيز تنافسية الصناعة السورية في الأسواق على المستويين المحلي والخارجي.
وبالتالي، فإن قراءة بسيطة للواقع الفعلي للصناعة تكشف عن وجود مقومات قوة يمكن البناء عليها، يقابلها عدد من التحديات ونقاط الضعف التي تؤثر في الإنتاجية والاستثمار وتحتاج إلى معالجة تشريعية وإدارية وتمويلية وتقنية متكاملة.
وبين الإمكانات المتاحة والعقبات القائمة، تبدو الحاجة ملحة إلى صياغة رؤية صناعية جديدة، تنتقل من معالجة المشكلات الطارئة إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على مواكبة التطورات التقنية واحتياجات الأسواق، وفتح آفاق أوسع أمام المنتج الوطني، ليعبر بأريحية مطلقة نحو العالم الخارجي.
مقومات قوة يمكن البناء عليها
يرى الصناعي محمد الحلاق أن الصناعة الوطنية تمتلك مجموعة من نقاط القوة، يأتي في مقدمتها تنوع الموارد الطبيعية وتوافر عدد من المواد الأولية محلياً، إضافة إلى وجود طاقات كامنة يمكن توظيفها في صناعات تكنولوجية وتحويلية ذات قيمة مضافة أعلى. كما أن بعض المنتجات الوطنية تتمتع بسمعة جيدة، ما يوفر قاعدة يمكن الانطلاق منها لإعادة بناء ثقة المستهلك بالمنتج المحلي، بالتوازي مع تعزيز الجودة وتحسين القدرة التنافسية.
نقاط ضعف الإنتاجية
في المقابل، يحدد الحلاق مجموعة من نقاط الضعف التي تؤثر في أداء القطاع الصناعي، من بينها ضعف مساهمة بعض أنشطة الصناعة التحويلية، وتراجع مستويات البنية التحتية والإنتاجية، وصعوبة الوصول إلى التمويل، إضافة إلى الحاجة إلى تفعيل دور المدن والمناطق الصناعية والاستفادة بصورة أكبر من إمكاناتها.
كما يشير إلى ضرورة معالجة آثار هجرة الكفاءات والخبرات، باعتبار الموارد البشرية عنصراً أساسياً في تطوير الصناعة ورفع إنتاجيتها. ويرى أن تجاوز هذه التحديات يحتاج إلى حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل البيئة التشريعية والإدارية، والتمويل، والتكنولوجيا، وتطوير المهارات، وتحسين التسويق، وفتح الأسواق أمام المنتج الوطني.
تكامل يرفع القيمة المضافة
وهنا يؤكد الحلاق أن تعزيز الترابط بين القطاعين الزراعي والصناعي يمثل فرصة مهمة أمام الاقتصاد الوطني، ولا سيما في الصناعات الغذائية والتحويلية، فكلما ازدادت قدرة الصناعة على استخدام المواد الخام المحلية وتحويلها إلى منتجات نهائية، ارتفعت القيمة المضافة داخل الاقتصاد، واتسعت فرص العمل، وتراجعت الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات المصنعة.
التصنيع الموجه للتصدير
وبالتالي، فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى خيارات استراتيجية واضحة، من أبرزها تعزيز دور القطاع الخاص، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع التصنيع الموجه للتصدير. وأن الانتقال من التركيز على السوق المحلية إلى استهداف الأسواق الخارجية يفرض تطوير الجودة والمواصفات وخفض التكاليف وتحسين كفاءة الإنتاج، ما ينعكس إيجاباً على قدرة المنتج الوطني على المنافسة في السوق المحلية أيضاً، مع التشديد على أهمية الاستثمار في الصناعات المستقبلية التي تمتلك فرص نمو واستمرارية.
تغيير العقلية الصناعية والإدارية ضرورة
وضمن هذا الإطار، يرى الخبير التنموي أكرم عفيف أن النهوض بالصناعة الوطنية يتطلب تغييراً في العقلية الصناعية والإدارية، بما يتيح مواكبة التقنيات والتحولات الاقتصادية ومتطلبات الأسواق، مشيراً إلى أن التغيير المطلوب لا يقتصر على العملية الإنتاجية، بل يشمل الإدارة وأساليب الشراء والبيع والتسويق، إضافة إلى تطوير طريقة التعامل مع القوانين والأنظمة.
كما يعتبر أن القطاع العام يمتلك إمكانات يمكن البناء عليها لإعادة تشكيل قاعدة صناعية متطورة، قادرة على التكيف مع المتغيرات وامتلاك مقومات المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
ضرورة تطوير القطاع العام
كما يؤكد عفيف أن بعض المشكلات التي واجهت القطاع العام الصناعي خلال مراحل سابقة ارتبطت بتوسع الإجراءات البيروقراطية وتراجع الأداء الإداري وعدم تحديث بعض خطوط الإنتاج، ما أثر في القدرة التنافسية لعدد من المنشآت، وبالتالي، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب تطوير أساليب الإدارة والإنتاج، وتحديث الآليات وخطوط الإنتاج، وربط القرارات بمؤشرات الكفاءة والجدوى الاقتصادية. ويشدد على أن تطوير القطاع العام لا يعني إلغاء دوره، وإنما إعادة تنظيمه واستثمار إمكاناته بصورة أكثر كفاءة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية الجديدة، ويعتبر عفيف أن تحقيق التوازن بين تكلفة المنتج وجودته يمثل أحد المفاتيح الأساسية للمنافسة.
الحلقة المكملة للإنتاج
لا تكتمل عملية تطوير الصناعة من دون إعادة النظر في مفهوم التسويق، بحسب عفيف، الذي يرى أن المنتج الوطني يحتاج إلى استراتيجية تسويقية تتناسب مع طبيعة الأسواق المستهدفة، ويشمل ذلك دراسة احتياجات المستهلك، وتطوير التغليف والعلامة التجارية، وتحسين قنوات التوزيع، والاستفادة من الأدوات الرقمية الحديثة، أما في الأسواق الخارجية، فإن المنافسة تتطلب الالتزام بالمواصفات والجودة والقدرة على تأمين المنتج بصورة منتظمة، إلى جانب دراسة الأسواق والقدرة على تلبية شروطها.
استراتيجية صناعية للمرحلة المقبلة
تحتاج الصناعة السورية إلى استراتيجية واضحة تحدد القطاعات ذات الأولوية، وتستند إلى الموارد والميزات النسبية، وتربط بين الزراعة والصناعة، وتشجع الصناعات التحويلية، وتدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما تحتاج إلى تطوير البيئة الاستثمارية، وتحديث التشريعات، وتسهيل الإجراءات، وتوفير أدوات التمويل، وتحسين البنية التحتية، والاستثمار في الموارد البشرية والتقنيات الحديثة.
وبالتالي، فإن إعادة بناء الثقة بالمنتج الوطني تبدأ بإزالة العقبات التي تعترض الإنتاج، لكنها لا تنتهي عند حدود المصنع. فالصناعة القادرة على المنافسة تحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة، وإدارة أكثر كفاءة، وتمويل مناسب، وتكنولوجيا حديثة، وكوادر مؤهلة، وتسويق فعال، وشراكة واضحة بين القطاعين العام والخاص.
والرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة عدد المنشآت الصناعية فحسب، وإنما في بناء صناعة قادرة على إنتاج سلع ذات جودة وقيمة مضافة، وبكلفة تسمح لها بالمنافسة محلياً وخارجياً.
الحرية
اقرأ أيضاً: معرض دمشق الدولي يدفع الصناعة نحو تقانات وأسواق وشراكات جديدة
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
