الصناعات الكيميائية في سوريا.. إمكانيات كامنة وتحديات إنتاجية وتنافسية متراكمة

أخبار الصناعة السورية:

تشكل الصناعات الكيميائية في سوريا أحد القطاعات الإنتاجية ذات التأثير المباشر في مجالات متعددة تمتد من الصناعات الدوائية والمنظفات إلى الأسمدة والدهانات والمواد البلاستيكية، ما يمنحها دوراً محورياً في دعم الدورة الاقتصادية وتلبية احتياجات السوق المحلي.

ورغم ما يمتلكه هذا القطاع من بنية إنتاجية عريقة وقدرات كامنة على تحقيق قيمة مضافة، إلا أنه يواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بتكاليف الإنتاج، وحركة الاستثمار، ومستوى التنفيذ الفعلي للمشاريع، إضافة إلى تأثيرات السوق والمنافسة مع المنتجات المستوردة والورش غير النظامية.

القطاع الكيميائي بالأرقام

بلغ إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية في مختلف القطاعات 128,549 منشأة، بينها أكثر من 81 ألف منشأة عاملة بنسبة 63 بالمئة.

وفي القطاع الكيميائي، بلغ عدد المنشآت الحرفية العاملة 6,203 منشأة مقابل 7,781 متوقفة، فيما سجّل عدد المنشآت الصناعية 5,226 منشأة عاملة مقابل 3,232 متوقفة.

ومن جهة أخرى، كشف تقرير حديث صادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة عن حجم المنشآت المرخصة والمنفذة في القطاع الكيميائي والمنشآت الحرفية، في ضوء تطبيق قوانين الاستثمار المعمول بها سواء داخل المدن الصناعية أو خارجها.

ووفقاً للتقرير، بلغ إجمالي عدد المنشآت الصناعية المرخصة في القطاع الكيميائي خلال عام 2025 نحو 979 منشأة، في حين تمكنت 137 منشأة فقط من استكمال إجراءات التنفيذ ودخول حيز العمل. كما بلغ عدد المشروعات الاستثمارية المرخصة وفق قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، والذي يشمل القطاع الكيميائي وغيره من القطاعات، مشروعين فقط.

وفيما يتعلق بالمنشآت الحرفية، بلغ عدد المشروعات المرخصة 159 مشروعاً حرفياً، نُفذ منها تسع مشروعات فقط، فيما لم يُسجَّل أي مشروع حرفي مرخص أو منفذ ضمن المدن الصناعية.

أما على صعيد المنشآت المرخصة داخل المدن الصناعية بشكل عام، فقد بلغ عددها 237 مشروعاً، في حين لم يتجاوز عدد المشاريع المنفذة مشروعين فقط.

ويُظهر التقرير وجود تفاوت ملحوظ بين أعداد المنشآت المرخصة والمنفذة في القطاعين الكيميائي والحرفي، مع محدودية واضحة في نسب التنفيذ مقارنة بحجم التراخيص.

صناعة عريقة وسمعة إيجابية

قدمت عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيسة القطاع الكيميائي في الغرفة، المهندسة وفاء أبو لبدة، رؤيتها حول واقع الصناعة الكيميائية في سوريا، مؤكدة أنها تمتلك بنية تحتية عريقة وقدرة على تحقيق قيمة مضافة عالية من خلال تحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية.

وقالت أبو لبدة  إن المنتجات السورية تتميز بجودة جيدة وسمعة إيجابية تمنحها فرصاً في الأسواق التصديرية، إلا أن حدة المنافسة في الأسواق الخارجية باتت مرتفعة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج محلياً مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.

من جهته، أوضح نائب رئيس القطاع الكيميائي في غرفة صناعة دمشق وريفها، محمود المفتي، أن الصناعات الكيميائية السورية، التي تشمل الصابون والمنظفات ومواد التجميل والدهانات والأدوية والسيراميك والأسمدة، تواجه تحديات متعددة رغم ما تحمله من فرص واعدة.

وأضاف المفتي أن القيمة المضافة في هذا القطاع تبقى مرتفعة وتتراوح بين 40 و80 بالمئة، في حين أن الإنتاجية الفعلية للمنشآت تتراوح بين 30 و60 بالمئة، ما يشكل تحدياً أساسياً أمام تطور القطاع.

وتطرق إلى الأهمية الكبيرة للصناعات البلاستيكية بوصفها مدخلات إنتاج رئيسية في العديد من الصناعات، لاسيما في مجالات التعبئة والتغليف، الأمر الذي يسهم في رفع القدرة الإنتاجية وتعزيز القيمة المضافة.

كما أشار المفتي إلى قدرة العديد من الصناعات الكيميائية السورية، مثل الصناعات الجلدية والصابون والمنظفات ومواد التجميل والأدوية، على المنافسة والتصدير، لافتاً إلى أن المشاركة في المعارض الدولية أثبتت قدرة المنتج السوري على تلبية المتطلبات العالمية، مع تعويض جزئي لارتفاع تكاليف الطاقة من خلال انخفاض كلفة العمالة.

وفي السياق ذاته، أكد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، مازن كنينة، أن الصناعة الكيميائية السورية ما تزال تحقق قيمة مضافة من خلال عمليات التحويل والتصنيع التي ترفع من قيمة المواد الأولية وتلبي احتياجات السوق المحلي اليومية، إلى جانب دورها في خلق فرص عمل وتنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بها.

ولفت كنينة إلى أن عدداً من المنتجات السورية أثبت قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، ولا سيما في بعض الدول العربية والأفريقية، بفضل جودتها المقبولة وأسعارها التنافسية، حيث تمكنت بعض الشركات من الحفاظ على حضورها التصديري رغم التحديات القائمة.

تحديات متداخلة

رصدت صحيفة “الثورة السورية” خلال جولة على الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار عدد من المنتجات الكيميائية، ما انعكس سلباً على القدرة الشرائية وزاد من الأعباء المعيشية على الأسر.

ويعزو تجار ومصنعون هذه الزيادات إلى ارتفاع تكاليف المواد الخام المستوردة، إلى جانب تقلبات أسعار الصرف العالمية وارتفاع تكاليف الشحن، فضلاً عن زيادة تكاليف الإنتاج المحلية، ولا سيما أسعار الطاقة والمحروقات، ما أسهم في دفع الأسعار نحو الارتفاع.

وفي هذا السياق، رأت أبو لبدة، أن الصناعات الكيميائية السورية، رغم كونها “قاطرة” للعديد من الصناعات الأخرى نظراً لتداخلها مع مختلف جوانب الحياة اليومية من المنظفات والدهانات إلى الأسمدة والأدوية، تواجه تحديات متعددة تؤثر في قدرتها التنافسية وقيمتها المضافة وصادراتها.

وتواجه الصناعة الوطنية منافسة قوية من البضائع المستوردة، ويعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في سوريا، لا سيما ما يتعلق بمصادر الطاقة، إلى جانب غياب الدعم الكافي للصادرات على غرار ما هو معمول به في الدول المجاورة.

والأسبوع الماضي، صدر المرسوم الجديد الخاص بـ”التعريفة الجمركية المتناسقة”، وتضمن تخفيضات في الرسوم الجمركية على المواد الأولية الداخلة في الصناعة، بما فيها الكيميائية، بهدف دعم الإنتاج المحلي وتشجيع المعامل الوطنية.

وخفّض المرسوم الرسوم على معظم المواد الأولية الداخلة في التصنيع الدوائي، والتي أصبحت بحدود 27 دولاراً للطن، إضافة إلى خفض رسوم الأدوية الجاهزة من 3000 دولار إلى 500 دولار، وفق ما قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش.

وتتفاقم تحديات القطاع الكيميائي مع انتشار المنتجات المزورة وغير المطابقة للمواصفات القياسية، والتي تُطرح بأسعار متدنية في الأسواق المحلية، ما يخلق منافسة غير عادلة مع المنتج الوطني، وفق أبو لبدة.

وأشارت إلى أن الورشات العاملة خارج الإطار النظامي والترخيص تمثل تحدياً يهدد الصناعة الكيميائية النظامية، إذ تعمل بعيداً عن الرقابة الضريبية والصحية والبيئية، ما يمنحها ميزة تنافسية غير عادلة نتيجة تجنب الالتزامات المالية والتكاليف التي يتحملها الصناعيون المرخصون، وهو ما ينعكس بانخفاض كبير في أسعار منتجاتها مقارنة بالمنتج النظامي.

وبحسب أبو لبدة، فإن هذه الورشات غالباً لا تلتزم بالمواصفات القياسية ولا تحقق أدنى متطلبات شروط التصنيع الصحيحة، ما يثير مخاوف جدية حول جودة منتجاتها وسلامتها على المستهلك، مؤكدة ضرورة وجود بطاقة بيان واضحة على جميع المنتجات النهائية، سواء كانت محلية أو مستوردة، لضمان الشفافية وحماية المستهلك.

من جهته، اعتبر المفتي أنه رغم الخطوات الإيجابية كإعفاء الآلات الجديدة من الرسوم الجمركية، لا تزال هناك معوقات، أبرزها الرسوم الجمركية المرتفعة على مستلزمات الإنتاج كقوالب البلاستيك، والتي يجب أن يتم إعفاؤها من الرسوم أسوة بإعفاء الآلات الجديدة كونها من المستلزمات الإنتاجية.

وتتمثل أبرز التحديات، وفق المفتي، في ارتفاع تكاليف حوامل الطاقة وصعوبات النقل، على الرغم من تنافسية تكلفة العمالة، كما يواجه القطاع مشكلة نقص الإحصائيات الدقيقة حول الصادرات والبنود الجمركية، مما يعيق التقييم والتخطيط.

أما كنينة، فلفت إلى أن هذا القطاع الاستراتيجي، الذي يرتبط بالعديد من الصناعات الأساسية كالدوائية والمنظفات والبلاستيك والدهانات، يواجه تحديات أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة والمشتقات النفطية، إلى جانب زيادة تكاليف المواد الأولية والشحن والتأمين والتحويلات المالية.

وأضاف أن عدداً من المعامل والمنشآت خفضت إنتاجها أو توقفت جزئياً أو كلياً نتيجة الضغوط التشغيلية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج والتمويل، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية في السوق المحلية، مشيراً إلى أن القطاع غير المنظم يشكل تحدياً أمام القطاع الصناعي المنظم بسبب المنافسة غير العادلة.

عوامل النهوض

لتحقيق النهوض بالقطاع الصناعي الكيميائي في سوريا، تبرز مجموعة من الاحتياجات الأساسية التي تشمل القطاع الصناعي بشكل عام، وفي مقدمتها إعادة دراسة أسعار حوامل الطاقة وبيعها للصناعيين بالأسعار العالمية، إلى جانب دعم الصادرات السورية، وفق أبو لبدة.

كما يتطلب الأمر حماية المنتج الوطني من خلال إجراءات إدارية تضمن المنافسة العادلة مع المنتجات المستوردة، إضافة إلى ضبط الاستيراد عبر إلزام المستوردين بوضع بطاقة بيان على المنتجات المستوردة والتأكيد على مطابقتها للمواصفات القياسية السورية.

ومن شأن تضافر الجهود وتطبيق هذه الإجراءات أن يعيد للصناعة الكيميائية السورية زخمها، ويعزز قدرتها على المساهمة بفعالية في الاقتصاد الوطني، وتحقيق قيمة مضافة حقيقية، وفتح آفاق جديدة للتصدير.

من جهته، أكد المفتي ضرورة حماية المنتج الوطني عبر إعفاءات من الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج وفرض رسوم مناسبة على المستوردات، مع التركيز على الترشيد الذكي للاستيراد وتشديد الرقابة على جودة البضائع المستوردة، لافتاً إلى ظاهرة “اقتصاد الظل” وما تتطلبه من تنظيم الورش الصغيرة ودمجها ضمن الإطار النظامي.

كما دعا إلى تنمية العمالة الماهرة عبر تعزيز الربط بين وزارة الصناعة والجهات التعليمية، معتبراً أن تحسين المدخولات الاقتصادية وتهيئة بيئة داعمة للتصدير يسهمان في استعادة مكانة الصناعة السورية.

وأشار إلى أن النهوض بالقطاع يتطلب توفير حوامل طاقة بأسعار تنافسية، وتحسين البنية التحتية للنقل، إلى جانب وضع خطط استراتيجية متكاملة.

ورأى أن دعم الصناعة، إلى جانب الزراعة، يمثل ضرورة حتمية لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما في ظل تحديات البطالة وتراجع فرص العمل.

ويتفق كنينة مع أبو لبدة والمفتي في أن قطاع الصناعات الكيميائية في سوريا، رغم الظروف الاقتصادية والتحديات المتراكمة، يمتلك مقومات مهمة تؤهله لاستعادة دوره الحيوي وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.

وأوضح كنينة أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على دعم الصناعيين في ملف الطاقة وتوفير الكهرباء والمحروقات بأسعار مستقرة، إلى جانب خفض الرسوم الجمركية على المواد الأولية، وتطوير تشريعات ضريبية تراعي الواقع الاقتصادي، وتقديم حوافز تصديرية وفتح أسواق جديدة.

وشدد على أهمية التحديث التقني والتحول نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتأهيل الكوادر الفنية، وتنظيم القطاع غير الرسمي ودمجه ضمن الاقتصاد النظامي، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتطوير البيئة الاستثمارية.

ويمتلك القطاع الكيميائي السوري خبرات وكفاءات بشرية قادرة على استعادة مكانته والمساهمة بفعالية في مسار التنمية وإعادة الإعمار، في حال توفر البيئة المناسبة والدعم الحقيقي، وفق كنينة.

 

الثورة السورية

 

اقرأ أيضاً: الجمعية الكيميائية السورية تحتفل بمرور 80 عاماً على تأسيسها

 

صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام:https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen