أخبار الصناعة السورية:
عقب إعلان وزارة الاقتصاد والصناعة طرح معمل تعبئة مياه نبع دريكيش للاستثمار، تجدد النقاش حول آليات إدارة المنشآت العامة في سوريا، بين توجهات تسعى إلى رفع الكفاءة التشغيلية عبر الشراكة مع القطاع الخاص، ومخاوف ترتبط بحدود هذا التوجه على صعيد الموارد الاستراتيجية ودور الدولة.
ويأتي هذا الجدل في سياق اقتصادي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات التطوير والإنتاج مع أسئلة تتعلق بالحوكمة والملكية العامة وطبيعة العقود الاستثمارية.
ويمتد النقاش إلى آليات الاستثمار ومدته والقطاعات التي يجب أن يشملها، في ظلّ واقع اقتصادي مثقل بالتحديات وتطلعات نحو مرحلة أكثر استقراراً وكفاءة.
أولويات الاستثمار
في 27 نيسان الماضي، أعلنت الشركة العامة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة، طرح طلب عروض داخلي وخارجي، بهدف اختيار مستثمر لإعادة تأهيل وتطوير وتشغيل واستثمار معمل تعبئة مياه نبع دريكيش في محافظة طرطوس.
وبحسب الإعلان، يلتزم المستثمر بتحديث المعمل وإعادة تأهيله، ورفع كفاءته التشغيلية وزيادة قدرته الإنتاجية، إضافة إلى تطوير البنية التحتية وإدخال تقنيات حديثة، إلى جانب تنويع المنتجات وتعزيز القدرة التنافسية، فضلاً عن نقل الخبرات الفنية وتأهيل الكوادر المحلية.
كما نصّ الإعلان على ضرورة التزام المستثمر بإنجاز جميع أعمال التأهيل والتحديث والتركيب وإجراء التجارب التشغيلية الأولية خلال مدّة أقصاها 12 شهراً، على أن تمتد فترة التشغيل والاستثمار إلى 25 عاماً.
ووفقاً لدفاتر الشروط، يمتد المشروع على مساحة إجمالية تصل إلى 392,000 متر مربع تشمل المعمل وحرم النبع، فيما تبلغ مساحة المعمل وحده 32,000 متر مربع.
وحدد الإعلان قيمة التأمينات المؤقتة بـ 500,000 دولار أميركي، والتأمينات النهائية بـ 10 بالمئة من قيمة رأس المال المستثمر، مع الالتزام بالحصول على شهادات الجودة العالمية (ISO 22000, 9001, 14001) خلال ثلاث سنوات من بدء التشغيل.
وأكدت الوزارة أن هذه الخطوة تهدف إلى ضخ رأس مال جديد وتحديث التكنولوجيا المستخدمة التي تعاني من القدم، مع بقاء ملكية المنشأة تابعة للقطاع العام.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن التعامل مع ملف الاستثمار يجب أن يتم بواقعية وعقلانية، بعيداً عن الأحكام المطلقة، مؤكداً أن الاستثمار ليس خياراً سلبياً بالمطلق، وقد يكون ضرورة تفرضها ظروف ما بعد الحرب وما خلّفته من تراجع في أداء القطاع العام.
لكن في الوقت ذاته، حذّر الدبس من التعميم، مشدداً على أن بعض المنشآت لا تزال رابحة وتعمل بكفاءة مقبولة، مثل معمل دريكيش، الذي يحقق عوائد مباشرة للدولة، ما يجعل طرحه للاستثمار محل تساؤل.
وتأسس معمل تعبئة مياه دريكيش عام 1976، ويضم حالياً 167 عاملاً، ويعمل بنظام الورديتين لتعبئة 150 متراً مكعباً من المياه، وهو معدل الضخ اليومي شتاء من الآبار المخصصة للمعمل، والذي ينخفض صيفاً ليصبح 120 متراً مكعباً.
وأبدى الخبير الاقتصادي عمار يوسف، استغرابه من التوجه نحو طرح مشاريع ناجحة للاستثمار، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون للمشاريع الخاسرة أو المتوقفة، لا لتلك التي تحقق أرباحاً.
وقال يوسف: إن هذا التوجه يثير مخاوف تتعلق بإدارة الموارد العامة وتوجيه عائداتها.
تقييم دقيق
تصل الطاقة الإنتاجية لمعمل دريكيش إلى 13 ألف عبوة من حجم لتر ونصف يومياً، و1500 عبوة على خط النصف لتر، لتلبية حاجة الأسواق المحلية، بحسب بيانات محافظة طرطوس الصادرة في حزيران 2025.
وشدد الدبس على ضرورة إجراء تقييم دقيق لكلّ منشأة قبل اتخاذ قرار استثماري، يتضمن دراسة المبيعات والأرباح والتكاليف، وتحليل أسباب الخسائر، وتحديد الاحتياجات الفنية والمالية، إضافة إلى تقييم قدرة الكفاءات المحلية على تنفيذ عمليات التطوير.
وانتقد طول مدة العقود الاستثمارية التي قد تصل إلى 25 عاماً، مقترحاً تقليصها إلى فترات أقصر تتيح إعادة التقييم الدوري.
وبحسب تقديرات رسمية، تبلغ الحاجة السنوية من المياه المعبأة في سوريا بأكثر من مليار و200 مليون ليتر، استناداً إلى معدل الاستهلاك اليومي الذي يتراوح بين ليتر واحد إلى ليتر ونصف للفرد، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
من جهته، حذر يوسف من خطورة إدخال قطاعات حيوية ضمن إطار الاستثمار، مثل المياه والمرافئ وخطوط الطيران، معتبراً أنها ثروات وطنية يجب أن تبقى تحت إدارة الدولة.
وأشار إلى أن كلفة تطوير بعض المنشآت، مثل خطوط الإنتاج، ليست مرتفعة إلى الحدّ الذي يبرر تسليمها للقطاع الخاص، خاصة مع توفر خيارات أقل تكلفة.
ضوابط مطلوبة
حتى منتصف العام الماضي، تلقت وزارة الاقتصاد والصناعة ما يقارب 115 طلباً لتراخيص إنشاء معامل فلترة وتعبئة مياه معدنية، تنوّعت بين طلبات لمستثمرين محليين وخارجيين.
وتساءل الدبس عن سبب غياب الشفافية في بعض العقود، مثل نسب أرباح الدولة، وطبيعة التصدير، وحجم الإنتاج المستهدف، مؤكداً أن هذه العناصر أساسية لضمان تحقيق المصلحة العامة.
ولفت إلى أهمية التمييز بين القطاعات القابلة للاستثمار وتلك التي تحمل طابعاً استراتيجياً لا يحتمل التفريط، مع إقراره بوجود جوانب إيجابية محتملة للاستثمار، كإدخال تقنيات حديثة، وتحسين جودة الإنتاج، وفتح أسواق تصديرية.
وأكد الخبيران أن أي قرار في هذا السياق يجب أن يستند إلى تقييم شامل ومدروس لكل حالة على حدة، بما يوازن بين الحاجة إلى التطوير والحفاظ على السيادة الاقتصادية.
وتوجد في سوريا أربعة معامل حكومية لتعبئة مياه الشرب، منها اثنان في دمشق واثنان في طرطوس، إضافة إلى ستة تتبع للقطاع الخاص، أربعة في إدلب، ومعمل في ريف حلب، وآخر في الرقة، بحسب تصريحات سابقة للإدارة العامة للصناعة.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: معمل مياه بقين.. جهود متواصلة لتطوير خطوط الإنتاج وتلبية حاجة السوق
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
