أخبار الصناعة السورية:
تقف الصناعة في سوريا اليوم عند مفترق حاسم، في ظل تداخل ضغوط خفض التكاليف للمنافسة مع متطلبات الحفاظ على الجودة بوصفها شرطاً أساسياً للاستمرار في السوق.
وبين محاولات بعض المنتجين تعزيز حضورهم عبر سلع منخفضة السعر، يبرز نقاش أوسع حول طبيعة النموذج الصناعي المطلوب: هل يقوم على تنافس سريع يركز على السعر، أم على بناء قيمة إنتاجية قادرة على ترسيخ ثقة المستهلك واستدامتها؟
وفي هذا الإطار، يتحول النقاش من مسألة زيادة الإنتاج إلى إعادة تعريف معايير الجودة وحدود المرونة فيها، وما إذا كان الضغط على التكلفة يمكن أن يُدار بوصفه مسار تحسين للكفاءة، أم ينزلق إلى تراجع في المواصفات وينعكس على مكانة المنتج في السوق.
“انتحار الهوية الصناعية”
يتجه بعض الصناعيين إلى تبنّي مقاربة، تقوم على طرح سلع منخفضة التكلفة، بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلك، في محاولة لاستعادة الحصة السوقية وضمان الاستمرار في بيئة اقتصادية مضطربة، وتُطرح هذه المقاربة في سياق ما يُوصف في لغة السوق بـ”الاقتناص”، أي توسيع الانتشار عبر منتجات منخفضة الجودة وبأسعار أدنى.
غير أن خبراء يرون أن هذا المسار، رغم ما قد يحققه من حركة مبيعات قصيرة الأجل، يفتح الباب أمام آثار تراكمية تشمل ارتفاع شكاوى المستهلكين، وزيادة تكاليف الاستبدال، وتراجع ثقة الموزعين، وصولاً إلى تراجع القدرة التسويقية للمنتج، ومع مرور الوقت، يفقد المنتج قدرته على بناء علاقة مستقرة مع السوق، ويتحول إلى سلعة ذات دورة استهلاكية قصيرة.
وتنعكس هذه النتائج على مستوى أعمق يرتبط بسمعة المنتج وهامش الربح، حيث يؤدي تآكل الثقة إلى تقليص القدرة على الاستمرار والابتكار، ومن هنا يبرز التساؤل حول اتجاه سياسات الصناعة السورية: هل تتجه نحو بناء تنافسية مستدامة تقوم على رفع الكفاءة وتحسين إدارة التكلفة ضمن معايير جودة مستقرة، أم نحو مسار يراكم الضغط على السمعة تحت إيقاع المبيعات السريعة؟
ويرى الخبير الصناعي تيسير طرقجي، أن الاعتماد على الرداءة لإغراق الأسواق يمثل “انتحاراً للهوية الصناعية السورية”، مؤكداً أن التجربة الصينية لم تُبنَ على الرداءة، بل على كفاءة الإنتاج ورفع القدرة التنافسية.
بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي فيصل العطري، أن استنساخ المرحلة الأولى من التجربة الصينية، القائمة على المنتجات منخفضة الجودة، يمثل خطأً في الفهم، إذ كانت تلك المرحلة ظرفية وانتقالية، بينما تتجه الصين اليوم إلى تعزيز موقعها العالمي عبر الجودة وبناء السمعة.
من جانبه، يشير نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، إلى أن مفاهيم الجودة والرداءة قد تحمل أبعاداً نسبية ترتبط بالقوة الشرائية والعادات الاستهلاكية، غير أن الرداءة الناتجة عن سوء التصنيع تبقى مرفوضة، مع التأكيد على وجود حد أدنى من المواصفات لا يمكن تجاوزه في أي منتج.
معركة طويلة الأمد
يذهب بعض المدافعين عن خيار السلع منخفضة الجودة إلى أن الصناعة السورية فقدت بريقها منذ سنوات، وأن الظروف الاقتصادية الراهنة لا تتيح استعادته سريعاً، إلا أن العطري يرى أن الحفاظ على “السوية المقبولة” يمثل الخيار الأكثر واقعية، مشيراً إلى أن المنتجات السورية، مثل الأقمشة والأغذية المعلبة والزيوت والصابون، بُنيت سمعتها تاريخياً على الجودة، وأن التفريط بها يعني خسارة تراكم صناعي استمر لعقود.
وحذر العطري، خلال حديثه، من أن السمعة، إذا فُقدت يصعب استعادتها، إذ تتطلب سنوات طويلة وجهوداً مضاعفة في ظل ندرة الثقة في الأسواق.
من جهته، أكد طرقجي، أن استعادة السمعة ممكنة، لكنها ترتبط بالتحول من عقلية الورش الفردية إلى عقلية المؤسسات، والالتزام بمعايير الجودة العالمية والشفافية، وأضاف: إن السمعة “تُبنى في صالات الإنتاج وتُثبتها ثقة المستهلك”.
وأشار إلى أن الصناعة السورية تقف اليوم بين “مطرقة عقلية الماضي وسندان المنافسة العالمية”، مشدداً على ضرورة بناء صناعة قادرة على المنافسة، تقوم على احترام المستهلك وتعزيز الكفاءة الإنتاجية، وتفرض حضورها في الأسواق الإقليمية بعيداً عن الاعتماد على الحماية أو الدعم.
حلول واقعية
يرى الخبراء أن المسار الأكثر واقعية يتمثل في إعادة تعريف المنافسة، بحيث ترتكز على الكفاءة وخفض التكاليف ضمن حدود جودة مقبولة اقتصادياً، بدلاً من الانخراط في سباق تخفيضات ينعكس سلبياً على العلامة التجارية وسمعة المنتج.
وأكد الحلاق خلال حديثه أن الثقة والنزاهة تشكلان أساس العمل التجاري والصناعي، وأن العلامة التجارية تمثل تعهداً ضمنياً بالجودة تجاه المستهلك، وأشار إلى أن التمايز السعري، سواء بالاتجاه نحو الأسعار المرتفعة أو المنخفضة، يظل خياراً مشروعاً، شرط ألا يُفهم المنتج منخفض السعر باعتباره منتجاً رديئاً، بل أن يُصمَّم وفق معايير تلائم شريحة استهلاكية محددة مع الحفاظ على سمعته داخل تلك الشريحة.
كما لفت إلى أن انخفاض التكاليف في الأسواق الخارجية يرتبط بالإنتاج واسع النطاق، بما يسمح بتوزيع التكلفة على كميات أكبر، إلى جانب سياسات داعمة للتصدير، وشدد على أن نجاح الدول الصناعية يقوم على وضوح الأهداف الاقتصادية والصناعية، إلى جانب دور حكومي يوازن بين التكاليف والإيرادات.
في السياق ذاته، يرى العطري أن تحقيق التوازن بين السعر والجودة لا يرتبط بخفض المواصفات، بل برفع الكفاءة الإنتاجية، من خلال إدارة حديثة للمصانع، وتطوير أقسام التسويق والمبيعات، وتقليل الهدر، وتبني تقنيات موفرة للطاقة، واعتماد التصنيع الرشيق، وتدريب العمالة، والحصول على شهادات جودة عالمية تفتح آفاق التصدير.
أما طرقجي، فأكد أن جوهر المشكلة في الصناعة السورية يرتبط بارتفاع التكاليف الناتج عن تقادم الآلات والهدر التقني، واعتبر أن الحل يتمثل في تحديث التكنولوجيا ورفع كفاءة الإنتاج، مختصراً المعادلة بالإشارة إلى أن التكنولوجيا الحديثة تقلل الهدر وترفع الكفاءة، ما ينعكس على خفض التكلفة وإنتاج سعر أكثر تنافسية.
فرصة مشروطة
في نظرة تفاؤلية حذرة، أعرب العطري عن اعتقاده بأن الصناعة السورية تقف أمام فرصة تاريخية ترتبط بإجراء إصلاحات اقتصادية وهيكلية عميقة، تشمل إعادة هيكلة الدين العام، وتحديث النظام الضريبي، وتسريع البت في النزاعات التجارية، ومنح القطاع المصرفي مرونة أكبر في التمويل، إلى جانب تقديم حوافز جمركية وضريبية لاستيراد خطوط الإنتاج، وتبسيط إجراءات الترخيص.
وشدد على أهمية التركيز على الصناعات كثيفة العمالة، وتعزيز التكامل بين القطاعين الصناعي والزراعي، وتوسيع استخدام الطاقة البديلة، بما يسهم في خفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية.
وفي الاقتصاد الصناعي، تُعد الجودة خياراً استراتيجياً يرتبط بالتكلفة والاستدامة، ويتمثل التحدي أمام الصناعة السورية في الوصول إلى معادلة دقيقة تجمع جودة موثوقة وتكلفة غير مرهقة، مع رفع الكفاءة الإنتاجية بما يخفف التكاليف ويحافظ على المواصفات.
ويتجه المسار الأكثر توازناً نحو تعزيز الكفاءة وتقليل الهدر، بما ينعكس على تنافسية المنتج في السوق، كما أن استنساخ تجارب خارجية بصورة جزئية، مثل التجربة الصينية، دون إدراك سياقها الكامل، قد يحولها إلى مخاطرة، وتبقى السمعة عاملاً حساساً، إذ إن فقدانها يجعل استعادتها أمراً بالغ الصعوبة.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: صناعة السيراميك في سوريا بين الاستمرار والتوقف.. صناعيون يقترحون الحل
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
