أخبار الصناعة السورية:
لم يعد الفصل بين الزراعة والصناعة في سوريا خياراً ممكناً في الاقتصاد السوري، في ظل التحديات المائية والتمويلية وارتفاع تكاليف الإنتاج، فالتكامل بين القطاعين بات مدخلاً أساسياً لتعظيم القيمة المضافة، وخفض الفاقد، وتوفير التكاليف، وخلق فرص عمل، وتقليل الواردات وزيادة الصادرات، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي والاستدامة.
ويرى خبراء أن الصناعات الغذائية والزراعية والنسيجية تشكل أحد أهم الرهانات الاقتصادية في المرحلة الحالية، لا سيما مع توفر المواد الأولية محلياً وعودة الاهتمام بالتصنيع كخيار استراتيجي.
ويقول الخبير في الاقتصاد الزراعي والتسويق، معاوية جبر، لصحيفة الثورة السورية، إن تحقيق التكامل بين القطاعين الزراعي والصناعي في سوريا، الذي طالما نوقش دون نتائج ملموسة، أصبح اليوم ضرورة ملحة في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية والمحلية.
وأوضح جبر أن الصناعات الغذائية والزراعية تُعد من أهم المحركات الحيوية للاقتصاد السوري، نظراً لوفرة الإنتاج وإمكانية معالجة وتصنيع كميات كبيرة من المنتجات الزراعية لتحقيق قيمة مضافة، بما يحقق ربحاً إضافياً لمختلف حلقات سلاسل الإنتاج والتصنيع والتسويق، ويسهم في خفض الفاقد الكبير من المنتجات.
تقوية العلاقة بين الزراعة والصناعة
في ظل الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد، أكد جبر أن التصنيع الزراعي سيلعب دوراً مهماً في المرحلة المقبلة، ما يتطلب تقوية العلاقة بين الزراعة والصناعة.
وأشار إلى أن أبرز المنتجات التي أثبتت قدرتها التسويقية والتنافسية محلياً ودولياً تشمل الزيتون وزيت الزيتون، ومنتجات الحليب والألبان ومشتقاتها، إضافة إلى معلبات الفواكه والخضار، وشدد جبر على أهمية التركيز على معايير الجودة والتعبئة والتغليف لتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السورية.
ملامح المرحلة الحالية
تشير ملامح المرحلة الحالية إلى توجه واضح نحو الاستثمار في الصناعات الغذائية المعتمدة على الزراعة، وكذلك في القطاع النسيجي، فقد كشفت إحصاءات وزارة الاقتصاد والصناعة عن دخول أكثر من 2,000 معمل جديد إلى البلاد منذ آذار الماضي، منها 323 غذائية و493 نسيجية، في حين بلغ عدد المعامل المفردة 536 منشأة، بينها 153 غذائية و62 نسيجية.
وفي تقرير منفصل، أعلنت الوزارة أن إجمالي عدد الحرف والمنشآت المرخصة حتى الربع الثالث من العام الحالي بلغ 2,757 منشأة في القطاعات الغذائية والكيميائية والنسيجية والهندسية، توفر فرص عمل لنحو 28 ألف عامل، لكن عدد المنشآت والحرف المنفذة فعلياً وصل إلى 274 منشأة، يعمل فيها أكثر من 1,217 عاملاً، ما يبرز فجوة واضحة بين الترخيص والتنفيذ الفعلي.
القطاع الغذائي
بلغ عدد الحرف الغذائية المرخصة 169 منشأة توفر فرص عمل لأكثر من 525 عاملاً، بينما وصل عدد المنشآت الغذائية المرخصة وفق “القانون 21” إلى 536 منشأة تؤمّن فرص عمل لنحو 6,101 عامل.
وعلى صعيد التنفيذ الفعلي، بلغ عدد المنشآت الغذائية المنفذة وفق “القانون 21” نحو 74 منشأة يعمل فيها 473 عاملاً، إضافة إلى 39 حرفة غذائية منفذة فعلياً تضم 80 عاملاً، ومنشأة واحدة وفق قوانين الاستثمار، يعمل فيها 50 عاملاً.
القطاع النسيجي
واصل القطاع النسيجي تصدّره من حيث حجم العمالة، فقد بلغ عدد الحرف النسيجية المرخصة 51 منشأة يعمل ضمنها 579 عاملاً، بينما سجل عدد المنشآت النسيجية المرخصة وفق “القانون 21” 465 منشأة تضم 10,045 عاملاً، وهو الرقم الأعلى بين مختلف القطاعات الصناعية.
أما على مستوى التنفيذ الفعلي، فقد بلغ عدد المنشآت النسيجية المنفذة وفق “القانون 21” نحو 20 منشأة يعمل فيها 137 عاملاً، إلى جانب منشأتين نسيجيتين منفذتين فعلياً في الحرف تؤمّنان فرص عمل لـ 15 عاملاً.
تحديات تواجه التكامل
لفت الخبير جبر إلى عدد من التحديات التي تواجه تحقيق التكامل بين الزراعة والصناعة، أبرزها مشكلة المياه، التي تتجلى بوضوح في ظل التغيرات المناخية وقلة الأمطار، ما يستدعي إدارة حكيمة لهذه القضية باستخدام الطرق الحديثة لضمان استدامة الإنتاج الزراعي.
كما أشار إلى مشكلة الكهرباء، التي تؤثر على تكاليف الإنتاج وسعر وجودة المنتجات، إضافة إلى قضية التمويل وتذبذب سعر صرف الليرة السورية، الذي يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج ويؤثر على سعر المنتج النهائي.
وأضاف: إن نقص العمالة الماهرة أثّر خلال السنوات الأخيرة على جودة المنتجات وأسعارها، إلا أن عودة ثلاثة ملايين سوري إلى البلاد تبعث على التفاؤل.
وأكد جبر أن التعاون بين وزارتي الزراعة والصناعة، إلى جانب الدعم المقدم من المنظمات الدولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، يشكل السبيل الأمثل لتطوير الصناعات الغذائية وتحقيق التكامل وإنتاج منتجات متميزة بمعايير ومواصفات عالمية.
القطن والنسيج: قيمة مضافة
يرى عضو غرفة صناعة دمشق وريفها، نور الدين سمحا، أن القطن يمثل العمود الفقري لصناعة النسيج في سوريا، فالقيمة الحقيقية للقطن الخام محدودة، إلا أنها تتضاعف مرات عديدة عندما يمر بمراحل الحلج والغزل والنسيج وإنتاج الملابس الجاهزة، ما يسهم في تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة وخلق آلاف فرص العمل.
ومن أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع حالياً نقص المياه، وارتفاع تكاليف الري والطاقة، وضعف بعض المحالج ومعامل الغزل القديمة، وللتغلب على هذه التحديات، شدد سمحا على ضرورة التركيز على زراعة القطن بمساحات مدروسة باستخدام طرق ري حديثة، إلى جانب إعادة تأهيل المعامل وربطها مباشرة بالمزارعين.
وأكد لصحيفة الثورة السورية أن هذه المقاربة المتكاملة تُعد الطريقة الأكثر فاعلية لتعظيم القيمة المضافة، واستقرار الإنتاج، وإعادة قطاع النسيج السوري إلى مكانته السابقة، مضيفاً: “من بذرة إلى قماش: القطن السوري يضاعف قيمته ويخلق فرصاً”.
الزراعات البديلة والتخطيط الاستراتيجي
يؤكد النائب السابق لرئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، لؤي نحلاوي، أهمية ربط الزراعة بالصناعة في المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن سوريا كانت تُعرف قبل عام 2011 بالصناعات الزراعية، مثل إنتاج المعلبات، إلى جانب زراعة القمح والأشجار المثمرة كالزيتون والفستق، إلا أن الواقع الحالي يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها شح المياه.
ويقول نحلاوي لصحيفة الثورة السورية: إن الظروف الحالية تستوجب ضرورة البحث عن زراعات تتطلب كميات أقل من المياه، فرغم أن زراعة القطن كانت من الزراعات المشهورة في سوريا، إلا أنها تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ومع تراجع مصادر المياه باتت الزراعة مرهونة بالتخطيط الجيد، ومع ذلك، لا تزال هناك مناطق خصبة يمكن استثمارها، مثل مناطق حوران القريبة من جبل الشيخ.
صناعات مجدية استثمارياً
لفت نحلاوي إلى أن النظام المخلوع جرف العديد من الأشجار وحوّل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية، ما أثر سلبياً على الزراعة في دمشق، إذ كانت تلك المناطق تُعد الرئة الخضراء للمدينة، لذا، يجب أن ينصب التركيز على الصناعات المجدية استثمارياً، لا سيما تلك المعتمدة على الزراعة.
وأشار إلى أن صناعة الأجبان والألبان تعتمد بشكل كبير على الثروة الحيوانية والعلف، الذي غالباً ما يكون مستورداً، ما يستوجب إعادة زراعة العلف محلياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأضاف: إن الصناعات الغذائية المعتمدة على الدجاج تواجه التحدي نفسه، مؤكداً ضرورة تشجيع الصناعات التي تعتمد على المنتجات الزراعية، مثل الطماطم في مناطق حوران، إذ يمكن إنتاج كميات كبيرة منها، وأوضح أن جدوى هذه المشروعات استثمارياً للمزارعين والصناعيين ستدفع إلى زيادة الاهتمام بها وتحقيق نجاح أكبر.
استقطاب الزراعات المناسبة
يشدد نحلاوي على ضرورة توجيه الحكومة جهودها نحو المناطق التي تتناسب مع زراعة محاصيل معينة، معتبراً أنه من غير المنطقي زراعة محاصيل في مناطق تعاني من الجفاف، وأكد أهمية وجود توجيه حكومي واضح لاستقطاب الزراعات المناسبة، إلى جانب تفعيل برامج تحفيزية للمزارعين.
وضرب مثالاً على ذلك بموسم البطاطا، الذي يؤدي نجاحه في عام معين إلى توجه المزارعين لزراعته في العام التالي، ما يتسبب بانخفاض الأسعار وخلق مشكلات للصناعة المرتبطة به، فضلاً عن زيادة الاستهلاك، وشدد على ضرورة تطوير الصناعة الغذائية، وتعزيز الشفافية مع الحكومة بشأن السياسات المتبعة.
كما أكد أهمية بناء جسور الثقة بين المزارعين والحكومة لتحديد المناطق الزراعية بما يخدم مصلحة البلاد، مشيراً إلى أن صناعة الألبان والأجبان باتت تعتمد بشكل متزايد على الحليب البودرة المستورد بدلاً من الحليب الطبيعي، نتيجة ارتفاع تكاليف العلف.
تكامل وتعاون
اعتبر نحلاوي أن إجراء دراسات معمقة حول هذه القضايا من شأنه توفير فرص مربحة للفلاحين والصناعيين، إضافة إلى إعادة الثقة بالمنتج السوري لدى المستوردين، مؤكداً أن المنتج الغذائي السوري يتمتع بجودة عالية، ويحظى بطلب في الأسواق.
وأعرب عن تطلعه إلى تحقيق مراتب متقدمة في هذا المجال، رغم المنافسة من دول مثل تركيا ومصر والأردن، التي تعزز صناعاتها الزراعية رغم أن ظروفها المناخية أكثر قسوة من سوريا.
وشدد على ضرورة تحقيق تكامل وتعاون حقيقي بين غرف الزراعة وغرف الصناعة والحكومة، لتوجيه الزراعة والصناعة نحو سياسات واضحة تستهدف تعزيز الإنتاج الوطني.
استغلال الموارد الطبيعية
يرى الخبير التنموي أكرم عفيف، أن التركيز على إمكانيات الزراعة والتصنيع يُعد من العوامل الأساسية لتعزيز الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة.
وأوضح عفيف لصحيفة “الثورة السورية”، أن إدارة الموارد الطبيعية في سوريا، لاسيما النباتات الطبية والعطرية، تمثل قضية حيوية تحتاج إلى اهتمام أكبر، إذ يمتلك البلد تنوعاً نباتياً يصل إلى 3600 نوع، ما يوفر فرصة حقيقية للاستفادة من هذا التنوع عبر مشروعات التصنيع الزراعي.
وأشار إلى أنه في حال توجيه الجهود نحو تجهيز الأراضي، ومراحل الزراعة، وخدمة المحاصيل، واستخراج المواد الفعالة، يمكن خلق آلاف فرص العمل.
ورغم التحديات القائمة، يرى عفيف أن التصنيع الزراعي يمثل حلاً مبتكراً يسهم في تحسين الوضعين الاقتصادي والبيئي، ويتطلب استراتيجيات جديدة وشراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص لدعم هذه المبادرات وتحفيز الابتكار.
وأضاف أن الاستثمار في إنتاج الفطر المحاري يمثل فرصة واعدة، سواء من حيث زيادة الإنتاجية أم استدامة الزراعة وتوفير فرص عمل جديدة.
وشدد على أن تطوير هذه الأفكار وتعزيزها يُعد أمراً بالغ الأهمية لتحقيق تنمية مستدامة واستغلال فعّال للموارد الطبيعية، مشيراً إلى أن هذه الرؤى يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة بناء قطاعي الزراعة والتصنيع في سوريا بما يلبي احتياجات المجتمع وموارده.
ولا شك أن تحقيق التكامل بين الزراعة والصناعة، مدعوماً بخطط استراتيجية واضحة وتعاون فعّال بين مختلف الجهات المعنية، يشكل المفتاح لاستعادة الريادة الاقتصادية لسوريا وتحقيق تنمية مستدامة.
أرقام
2,000+ معمل جديد دخل البلاد منذ آذار الماضي
323 معملاً غذائياً
493 معملاً نسيجياً
536 عدد المعامل المفردة بينها 153 غذائية و62 نسيجية
2,757 منشأة وحرفة مرخصة في القطاعات الغذائية والكيميائية والنسيجية والهندسية خلال تسعة أشهر، توافر فرص عمل لنحو 28 ألف عامل.
274 منشأة وحرفة منفذة فعلياً، يعمل فيها أكثر من 1,217 عاملاً.
536 منشأة غذائية مرخصة وفق “القانون 21” توفر فرص عمل لأكثر من 6,100 عامل.
169 حرفة غذائية مرخصة توفر فرص عمل لنحو 526 عاملاً.
74 منشأة غذائية منفذة فعلياً يعمل فيها 473 عاملاً.
39 حرفة غذائية منفذة فعلياً يعمل فيها 80 عاملاً إضافة إلى منشأة منفذة وفق قوانين الاستثمار يعمل فيها 50 عاملاً.
465 منشأة نسيجية مرخصة وفق “القانون 21” توفر فرص عمل لنحو 10,045 عاملاً.
51 حرفة نسيجية مرخصة توفر فرص عمل لنحو 579 عاملاً.
20 منشأة نسيجية منفذة فعلياً يعمل فيها 137 عاملاً.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: دعوة لاستكشاف الفرص والمشاركة في المعرض العالمي للاستثمار في الزراعة والغذاء جيافكس سوريا
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
