أخبار الصناعة السورية:
في ظل الجهود المبذولة لتعزيز عجلة الاقتصاد الوطني وإعادة بناء ما دمره النظام المخلوع، تبرز المدن الصناعية في سوريا كركيزة أساسية لجذب الاستثمارات وتحفيز الإنتاج المحلي.
وأصدر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، مطلع العام الحالي، قراراً يقضي بتعديل قرار المجلس المحلي في مدينة الراعي بريف حلب المتعلق بإنشاء المنطقة الصناعية إلى إحداث مدينة صناعية في المنطقة باسم المدينة الصناعية في الراعي.
وبهذا القرار أصبحت هناك 6 مدن صناعية تابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة هي عدرا بريف دمشق وحسياء في حمص والشيخ نجار في مدينة حلب والمدينة الصناعية في دير الزور والمدينة الصناعية في الباب بريف حلب إضافة إلى مدينة الراعي.
وبلغ عدد المستثمرين في المدن الصناعية في سوريا نحو 11 ألف مستثمر، بينهم 294 مستثمراً أجنبياً، في مؤشر على ما تشكله من بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي المحلي والأجنبي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز تساؤلات حول أبرز التحديات التي تواجه هذه المدن الصناعية حالياً، ومدى قدرة البنية التحتية المتوفرة فيها على تلبية احتياجات المستثمرين الأجانب والمحليين بشكل كامل، إضافة إلى الآليات المتبعة لضمان استدامة هذه البيئة الاستثمارية الواعدة.
وكشف مدير المدن والمناطق الصناعية، المهندس مؤيد البنا، عن واقع الاستثمارات في هذه المدن، مؤكداً التطور الملحوظ الذي تشهده، لا سيما في مرحلة ما بعد التحرير، ومستعرضاً عوامل الجذب التي تعتمدها الحكومة لاستقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
12,800 مشروع
أكد المهندس البنا أن واقع الاستثمار في المدن الصناعية يشهد تطوراً ملحوظاً، حيث تجاوز حجم الاستثمارات فيها 105.81 مليارات ليرة جديدة (10.581 تريليون ليرة قديمة)، وبلغ عدد المشاريع الاستثمارية نحو 12,800 مشروع، بينها 325 مشروعاً أجنبياً.
وأضاف البنا أن هذه الأرقام تعكس توفر بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحمل مؤشرات إيجابية تدل على ثقة المستثمرين بالقطاع الصناعي السوري.
وحول زيادة حجم الاستثمارات بعد التحرير، أوضح البنا أن المدن الصناعية شهدت ارتفاعاً كبيراً يقدّر بنحو 36 مليار ليرة جديدة (3.6 تريليون ليرة قديمة)، مؤكداً أن ذلك يعكس الأثر الإيجابي لعمليات التحرير على مناخ الاستثمار.
ورأى البنا أن المدن الصناعية استقطبت حجم استثمارات لا يستهان به بالنظر إلى التحديات الاقتصادية الكبيرة. وهذا يعكس قدرة القطاع الصناعي على التكيف رغم الظروف الصعبة، والقدرة على استثمار الموارد المتاحة بكفاءة، مما يبشر بمستقبل واعد للقطاع الصناعي السوري.
ولجذب المستثمرين، اعتمدت الحكومة حزمة من العوامل الداعمة، أبرزها إصدار نظام استثمار موحد للمدن الصناعية يرتكز على مبادئ تكافؤ الفرص، والشفافية، والحوكمة، والمرونة الإدارية.
كما صدرت تشريعات وأنظمة لتسهيل إجراءات الاستثمار، وتقديم إعفاءات ضريبية، وتفعيل المرافق الخدمية والداعمة لضمان توفير كافة الخدمات اللازمة للمستثمرين.
إلى جانب ذلك، يتم تخصيص المقاسم بأسعار مدروسة مع إتاحة خيار التسديد نقداً أو بالتقسيط.
وفيما يتعلق بإجراءات حماية الصناعة الوطنية، عملت الحكومة على إعادة هيكلة السياسات الجمركية وتقديم إعفاءات جمركية لخطوط الإنتاج، وتسهيل إجراءات التصدير بالتعاون مع هيئة المنافذ والجمارك.
ويتواصل العمل على التسويق للمنتجات المحلية من خلال المشاركة في المعارض الإقليمية والدولية، وتعكس كل هذه الإجراءات توجه الدولة نحو تقديم كل الدعم الممكن لجذب المستثمرين.
رؤوس الأموال السورية
على صعيد التواصل مع رؤوس الأموال السورية، أكد البنا وجود جهود مستمرة للتواصل معها، باعتبارها جزءاً أساسياً في مرحلة التعافي الاقتصادي.
وأشار إلى طرح الفرص الاستثمارية والتسهيلات المقدمة من خلال المعارض والمؤتمرات، وعبر هيئة الاستثمار السورية والمواقع الإلكترونية للمدن الصناعية، بهدف تشجيعهم على العودة والاستثمار بشكل فعلي.
وتضم المدن الصناعية مختلف أنواع الاستثمارات في القطاعات الهندسية والكيميائية والغذائية والنسيجية، وتلعب دوراً كبيراً في تأمين احتياجات السوق المحلية، وتعزيز القدرة التصديرية إلى الأسواق الخارجية، ودفع عجلة الإنتاج. هذه الاستثمارات، بحسب البنا، تنعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد الوطني وتساهم في تنميته.
وفيما يتعلق بالبنى التحتية، أوضح البنا أن المدن الصناعية مجهزة بمقاسم مخدمة، إضافة إلى مناطق توسع يتم العمل على تخديمها بالكامل، تستوعب آلاف المقاسم لمختلف أنواع الصناعات، مما يؤكد جاهزيتها لاستقطاب المزيد من الاستثمارات.
مؤشرات إيجابية
رأى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، مازن ديروان، أن بلوغ عدد المستثمرين في المدن الصناعية 11 ألف مستثمر، يشكل مؤشراً إيجابياً للغاية على الثقة في البيئة الاستثمارية السورية الحالية.
وأوضح ديروان، أن هذا التقدم يعكس التوجه الحكومي الحالي نحو حماية الملكية وتسهيل التحويلات من وإلى سوريا، إلى جانب محاولات “تصفير” المشاكل مع العالم أجمع.
وأشار إلى أن العام الأول بعد التحرير لم يكن نمطياً، إذ انشغلت الحكومة بمحاولة تأمين الضروريات، وبناء المؤسسات المنهارة، والحفاظ على الأمن الذي يعد من أولوياتها القصوى.
كما لفت إلى “التركة الثقيلة” التي خلفها النظام المخلوع، من إفلاس كامل للدولة وفساد غير مسبوق في جميع مؤسساتها.
وحول تقييم حالة الاستثمار في المدن الصناعية بعد تطبيق التشريعات الجديدة، وما إذا كانت كافية لجذب المستثمرين، أوضح ديروان أن الواقع المزري الذي خلفه النظام المخلوع من إهمال شبه كامل للبنية التحتية، إلى جانب التعديلات الأخيرة على تعليمات الاستثمار، يجعل الوضع الحالي للاستثمار قابلاً للقبول، مع وجود مجال واضح للتحسين والتطوير.
وأكد ديروان أن الطموحات أكبر من الواقع الحالي، قائلاً: “طموحنا وإمكانياتنا كسوريين بشكل عام، وكصناعيين سوريين بشكل خاص، أكبر بكثير. نحن نطمح لأن تمتلئ مدننا الصناعية الحالية بأقصى سرعة، وأن يتم تأسيس مدن صناعية عديدة أخرى، بعضها يتخصص في الصناعات المتقدمة مثل الإلكترونيات، وصناعة أجزاء السيارات والطائرات، والآلات، والأدوية، وكل ما يستطيع العقل المبدع الريادي السوري أن يفكر به”.
لكن ديروان أبدى قلقه من بعض “القرارات التقييدية الجديدة التي بدأت تظهر هنا وهناك”، والتي تتنافى مع التوجه الحكومي المعلن نحو اقتصاد سوق حر تنافسي، قائلاً: “هذه القرارات تجعلني أقلق على سمعة البيئة الاستثمارية السورية الجديدة، ومصداقيتها، وقدرتها على جذب المستثمرين من كل الأطياف”.
وشدد على أهمية إيجاد آليات فعالة لاستقطاب هذه الاستثمارات التي من شأنها أن تسهم بشكل كبير في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد.
دخول الاستثمارات
بدوره، أكد رئيس غرفة تجارة ريف دمشق، عبد الرحيم زيادة، أن دخول عدد كبير من المستثمرين العرب والأجانب إلى الاقتصاد السوري يشكل مؤشراً مهماً على جوانب إيجابية عدة، خصوصاً في مرحلة التعافي التي تشهدها البلاد.
وأوضح زيادة أن هذا التدفق الاستثماري، الذي يتزامن مع رفع العقوبات الأميركية، يعكس نمواً ملحوظاً في الثقة بالسوق السورية، ويسهم بشكل مباشر في إعادة إحياء القطاع الصناعي الذي تضرر بشدة جراء الحرب.
وأشار إلى أن زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية تعزز قدرة القطاع الصناعي على النهوض مجدداً.
ويُتوقع أن يؤدي التوسع المرتقب لإنشاء مدن أخرى، إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحسين البنية التحتية الصناعية، وزيادة الإنتاج المحلي، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويعزز القدرة التصديرية.
جاذبية قانون الاستثمار
اعتبر زيادة أن التدفق الاستثماري يشير إلى تحسن في الاستقرار الاقتصادي العام، ويتزامن مع استثمارات كبرى من دول مثل السعودية وقطر، التي أعلنت عن حزم استثمارية تصل إلى مليارات الدولارات في قطاعات حيوية مثل الطاقة والطيران والعقارات. وأسهمت هذه الاستثمارات في توقع نمو اقتصادي يقارب 10 بالمئة في عام 2026، ارتفاعاً من 5 بالمئة في 2025، وذلك بعد سنوات من الانكماش.
ويعكس جذب المستثمرين الأجانب والعرب إمكانية تنويع الاقتصاد السوري بعيداً عن الاعتماد على قطاع النفط، نحو الصناعات التحويلية والخدمات. واعتبر الدكتور زيادة أن هذا الدخول الاستثماري دليل على بيئة جاذبة للمستثمرين، مدعومة بقانون الاستثمار الجديد رقم 114 لعام 2025.
ووصف زيادة، القانون بأنه “واحد من أفضل 10 قوانين استثمار عالمياً”، حيث يسمح بملكية أجنبية كاملة بنسبة 100 بالمئة في معظم القطاعات، ويسهّل إعادة الأرباح ورأس المال إلى الخارج، ويقدم إعفاءات جمركية وضريبية تصل إلى 5–10 سنوات، إضافة إلى آليات فعالة لحل النزاعات عبر التحكيم.
وأوضح أن الحكومة السورية أصدرت هذا القانون بهدف تبسيط الإجراءات البيروقراطية وتعزيز الشفافية، مما جذب استثمارات عربية كبيرة، كما في الحزم السعودية التي بلغت 6.4 مليار دولار في 2025، واستمرارية الاستثمار في 2026.
وعدّ زيادة، الاستثمارات دليلاً عملياً على فعالية القانون في خلق بيئة أكثر جاذبية، تسهم في سرعة التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام لسوريا.
مجموعة متكاملة
أوضح الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية الكيميائية، محمد الشاعر، أن ازدياد عدد الشركات المستثمرة في المدن الصناعية يشكل مؤشراً إيجابياً بلا شك، لكنه لا يكفي وحده لاعتباره دليلاً قاطعاً على جاذبية بيئة الاستثمار.
وقال الشاعر، إن قياس ثقة المستثمر الحقيقية يتطلب تحليلاً شاملاً لمجموعة متكاملة من العوامل والمؤشرات التي تؤثر مباشرة على جاذبية الأصول والمخاطر المرتبطة بها.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة تشكل حجر الأساس في جذب الاستثمارات، وتشمل جوانب حيوية متعددة، يأتي في مقدمتها الاستقرار التشريعي، حيث توجد حاجة ماسة إلى تشريعات واضحة ومستقرة تتعلق بالضرائب والقطاع المصرفي، إضافة إلى استقرار قوانين الاستيراد والتصدير وكل ما ينظم عملية الاستثمار ومنح التراخيص.
وأشار الشاعر إلى أن تبسيط الإجراءات يلعب دوراً محورياً في تعزيز بيئة الاستثمار، ويتحقق من خلال تقليل البيروقراطية وتعقيداتها عبر تفعيل “مراكز الخدمة الموحدة”، التي تهدف إلى تسهيل حصول المستثمرين على الموافقات والتراخيص كافة في مكان واحد وبأقل وقت وجهد ممكن.
إلى جانب ذلك، أكد أن البيئة القانونية والقضائية عنصر لا غنى عنه، فوجود نظام قضائي كفء ونزيه يضمن سرعة وفعالية فض المنازعات الاستثمارية يشكل ضمانة حقيقية للمستثمرين ويعزز ثقتهم باستثماراتهم.
كما لفت الشاعر إلى أن تطور النظام المصرفي لا يقل أهمية، فتوفير السيولة اللازمة وتقديم خدمات مالية متقدمة ومتنوعة لدعم المشاريع الاستثمارية يعد محفزاً أساسياً لجذب رؤوس الأموال وتشجيع نموها.
وشدد على أن الشفافية والنزاهة ركيزتان أساسيتان في بناء بيئة استثمارية جاذبة، إذ يضمن مكافحة الفساد بأشكاله كافة في التعاملات الإدارية تكافؤ الفرص ويعزز الثقة بين المستثمرين والجهات الحكومية.
وفي هذا السياق، رأى الشاعر أن صدور قانون ناظم للاستثمار في المدن الصناعية يمثل خطوة إيجابية مهمة نحو تحقيق هذه الأهداف، لكنه يبقى جزءاً من منظومة متكاملة تتطلب تضافر الجهود لضمان بيئة استثمارية جاذبة ومستدامة.
وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة أقرت في حزيران الماضي، نظام الاستثمار الجديد بالمدن الصناعية في سوريا، بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في المدن الصناعية، ونقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.
معايير
الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، اعتبر أن الاستثمار يشكل عاملاً مؤثراً ورئيساً في تحقيق الناتج المحلي الإجمالي والتنمية الاقتصادية، كما يعد معياراً مهماً من معايير التقييم الاقتصادي لأي بلد.
وأوضح عياش، أن تقييم الاستثمار يعتمد على معايير متعددة تتعلق بطبيعة الاستثمار وأهدافه، وكذلك البيئة العامة للبلد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وتنموياً، حيث تحدد هذه المحددات أولويات الاستثمار ومتطلباته.
وأشار إلى أهمية الإحصاءات المتعلقة بأعداد المستثمرين في سوريا، معتبراً أن هذه الأرقام تقدم مؤشرات حيوية حول مدى جاذبية بيئة الاستثمار.
وقال عياش: “لا شك أن القدرة على جذب الاستثمارات في ظروفنا الحالية هو مؤشر مهم لتحسن بيئة الاستثمار العامة. وقد بلغت نسبة الاستثمار الأجنبي قرابة 3 بالمئة من إجمالي عدد المستثمرين في المدن الصناعية، وهذه دلالة مؤثرة للغاية، فالاستثمار الأجنبي هو الأقدر على تحقيق التراكم الرأسمالي، وهو ما يعزز من إمكانيات النمو والتوسع الاقتصادي”.
وأضاف: “في العموم، لتحديد الأهمية الكاملة لهذه الأرقام، يجب معرفة قيمة هذه الاستثمارات والقطاعات التي تعمل فيها، بالإضافة إلى عدد فرص العمل التي تولدها. ومع ذلك، فإن هذه المعطيات تُعد مؤشرات إيجابية بامتياز، وتدل على بوادر تعافٍ اقتصادي يمكنها أن تحفز وتشجع المزيد من المستثمرين على اغتنام الفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا”.
وشدد عياش على أن تعزيز هذه المؤشرات الإيجابية يتطلب استمرار الجهود المبذولة لتحسين مناخ الاستثمار، وتذليل العقبات أمام المستثمرين المحليين والأجانب، لخلق بيئة جاذبة تسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتحقيق الازدهار المنشود.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: المدينة الصناعية بحسياء تمنح تراخيص بقيمة 33 مليار ليرة.. ولا دور للمحسوبيات
صفحتنا على الفيسبوك : https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
