أخبار الصناعة السورية:
بينما تسعى الحكومات جاهدةً لتعبئة الموارد لسد العجز وتحفيز النمو، يعمل جزء ضخم من الاقتصاد العالمي في الخفاء، بعيداً عن دفاتر الدولة الرسمية.. معاملات لا تُسجّل، وضرائب لا تُجبى، وأموال تتدفق خارج نطاق الرقابة؛ لتشكل مجتمعة ما يُعرف بـ “اقتصاد الظل”، الذي يعد اليوم أحد أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً على الاستقرار المالي والنمو المستدام.
ما هو اقتصاد الظل؟
يشمل هذا المفهوم، المعروف أيضاً بالاقتصاد الموازي أو غير الرسمي، جميع الأنشطة الاقتصادية (المشروعة وغير المشروعة) التي لا تنعكس في الحسابات القومية للدخل، ولا تخضع للضرائب أو أنظمة العمل والضمان الاجتماعي.
ويتراوح طيفه بين العمل غير المصرح به، والتهرب الضريبي، والتجارة غير المقوننة، وصولاً إلى التعاملات النقدية التي تتم خارج النظام المصرفي.
حجم الظاهرة بأرقام
تكشف الأرقام عن حجم هائل لهذا القطاع الخفي، فبحسب دراسة شاملة لصندوق النقد الدولي (2018)، غطت 158 دولة خلال الفترة من 1991 إلى 2015، بلغ متوسط حجم اقتصاد الظل عالمياً 31.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتصدرت دول قائمة الاقتصادات الخفية الأعلى نسبة، حيث سجلت:
جورجيا: 64.9%
بوليفيا: 62.3%
زيمبابوي: 60.6%
في المقابل، نجحت اقتصادات أخرى في تقليص هذا القطاع إلى أدنى مستوياته، مثل:
سويسرا: 7.2%
الولايات المتحدة: 8.3%
النمسا: 8.9%
وتشير تقديرات اقتصادية أخرى إلى أن اقتصاد الظل يستحوذ على ما بين 20% و30% من الناتج العالمي، ما يعني تسرب تريليونات الدولارات سنوياً من الموازنات الرسمية.
الاقتصادات الكبرى ليست بمأمن
لا يُعد اقتصاد الظل حكراً على الدول النامية؛ فبالرغم من متانة المؤسسات في الولايات المتحدة، قُدر حجم اقتصادها الخفي بنحو تريليون دولار عام 2009 (حوالي 8% من الناتج المحلي)، لكن تداعيات الأزمة المالية العالمية (2008) دفعت نحو توسع النشاط غير الرسمي، لترتفع التقديرات إلى نحو تريليوني دولار بحلول 2013، ما يعكس ميل اقتصاد الظل للتمدد في أوقات الانكماش وعدم اليقين.
تكلفة باهظة للدول
يترتب على استمرار هذا القطاع خسائر جسيمة تتحملها الدول، أبرزها:
نزيف ضريبي: تقدر الخسائر الضريبية العالمية بنحو 2 إلى 3 تريليونات دولار سنوياً.
تشويه البيانات: يؤدي إلى بيانات اقتصادية غير دقيقة، وسياسات مبنية على أرقام ناقصة.
منافسة غير عادلة: يتحمل القطاع الرسمي أعباء الضرائب والتأمينات، بينما يعمل القطاع غير الرسمي بتكاليف أقل، مما يهدد استدامة الشركات الملتزمة.
آثار اجتماعية: ضعف الحماية الاجتماعية للعاملين، وتراجع الحافز التعليمي في بعض البيئات، وهشاشة سوق العمل.
بين المرونة والخطر
ويدور جدل اقتصادي حول هذه الظاهرة؛ فبينما يرى بعض الخبراء أن اقتصاد الظل يوفر فرص عمل، ويمثل متنفساً لرواد الأعمال للهروب من القيود البيروقراطية، يحذر آخرون من أن اتساعه يقوّض الإيرادات العامة، ويعيق النمو طويل الأمد.
وتجمع معظم الدراسات، بما فيها تحليلات البنك الدولي، على أن تجاوز نسب معينة يحول هذا الاقتصاد من “ملاذ مؤقت” إلى “عائق هيكلي” أمام التنمية.
تربط تقارير اقتصادية، منها تحليلات لموقع “إنفستوبيديا”، انتشار الظاهرة بالتعقيدات الإدارية، وارتفاع الضرائب، وضعف الثقافة الضريبية، إضافة إلى الفساد والبطالة والأزمات الاقتصادية.
ويُعد التحول نحو المدفوعات الرقمية أحد أبرز أدوات المواجهة؛ فكل معاملة إلكترونية تترك أثراً رقمياً يسهل تتبعه، مما يقلص التداول النقدي الذي يمثل البيئة الخصبة للنشاط غير الرسمي، وقد شهدت الدول التي ربطت الفوترة الضريبية بالمنصات الرقمية تحسناً ملحوظاً في التحصيل وشفافية مالية أعلى، شرط توافر البنية التحتية المصرفية وثقة المواطنين بالنظام المالي.
تحديات العصر الرقمي
مع صعود الاقتصاد الرقمي، والعمل الحر عبر المنصات العالمية، برز شكل أكثر تعقيداً من اقتصاد الظل، فملايين الأفراد يعملون عبر الإنترنت لصالح جهات خارج بلدانهم في معاملات عابرة للحدود، يصعب إخضاعها للأنظمة الضريبية التقليدية.
هذا التحول يطرح أسئلة مصيرية أمام الحكومات: كيف تُجبى الضرائب من دخل رقمي عابر للدول؟ وكيف تُدرج هذه الأنشطة في الحسابات القومية؟ وكيف يمكن الموازنة بين تشجيع الابتكار وضبط الإيرادات؟.
إشكالية القياس
بطبيعته، يمتنع اقتصاد الظل عن تقديم إقرارات ضريبية أو الظهور في التقارير الرسمية، ما يجبر الباحثين على الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة، مثل مقارنة الإنفاق الفعلي بالدخل المصرح به، أو تحليل حجم السيولة النقدية، وكلما اتسعت الفجوة بين النشاط الفعلي والرسمي، زادت مخاطر اختلال السياسات الاقتصادية.
يمثل اقتصاد الظل قوة اقتصادية موازية بحجم دول كبرى، ورغم أنه قد يوفر متنفساً مؤقتاً في أوقات الأزمات، فإن تمدده المستمر يُضعف قدرة الدول على تمويل التنمية، ويزيد من هشاشة الأنظمة المالية.
وبين الرقمنة، والإصلاح الضريبي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، تخوض الحكومات سباقاً مع اقتصاد لا يظهر في الضوء، لكنه يؤثر في كل شيء.
سانا
اقرأ أيضاً: اقتصاد الظل النظيف.. هل يصلح نموذجاً مرحلياً لسوريا؟
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
