أخبار الصناعة السورية:
يشهد قطاع تربية النحل في سوريا تراجعاً في أعداد الخلايا وإنتاج العسل، بالتزامن مع تحديات متزايدة تواجه المربين، أبرزها ارتفاع تكاليف مستلزمات التربية وتأثير التغيرات المناخية وضعف القوة الشرائية. وفي مواجهة هذه التحديات، تعمل وزارة الزراعة على دعم القطاع عبر تطوير مراكز التربية والخدمات الإرشادية والمخابر، وتحسين سلالة النحل السورية وتنظيم المراعي، إلى جانب تحديث التشريعات وتشجيع الاستثمار والتصدير.
وبلغ عدد خلايا النحل في سوريا نحو 290 ألف خلية، فيما بلغت كمية إنتاج العسل 2,427 طناً، وفقاً لآخر إحصائية لوزارة الزراعة لعام 2026، بحسب رئيسة دائرة النحل في الوزارة المهندسة إيمان رستم.
وتظهر الأرقام تراجعاً مقارنة بإحصائية عام 2024، التي تشير إلى أن عدد خلايا النحل في سوريا بلغ نحو 532,545 خلية، فيما وصل إنتاج العسل إلى 3,518 طناً.
وأوضحت رستم أن مربي النحل يواجهون عدداً من التحديات، أبرزها غلاء مستلزمات التربية وارتفاع أجور العمالة والخدمة وحماية الخلايا وتأمينها، إلى جانب التبدلات المناخية وتأثيرها على المراعي، والاستخدام العشوائي للمبيدات، ووجود مواد مجهولة المصدر في الأسواق.
وبحسب رستم، تمتد هذه التحديات إلى صعوبة تصريف المنتجات وضعف القوة الشرائية للمستهلك المحلي، وتفاوت مستوى الخبرة في التربية لدى المربين واتباع الأساليب التقليدية لدى البعض، فضلاً عن الحاجة إلى تطوير وتحديث التشريعات الناظمة للعمل في القطاع.
برامج دعم
وفي مواجهة هذه التحديات، أشارت رستم إلى أن الوزارة تعمل على تنفيذ برامج لدعم قطاع النحل، تشمل تطوير الخدمات الإرشادية والزراعية والبحث العلمي، من خلال الدورات التدريبية لتأهيل الفنيين المختصين ونقل الخبرة اللازمة عند تقديم الاستشارات، إلى جانب إقامة الندوات والورشات وغيرها من النشاطات الهادفة إلى توعية المربين وتطوير خبراتهم في أساليب التربية وصحة النحل وجودة المنتجات.
كما تتضمن هذه البرامج تطوير البنى التحتية ورفع وتنمية كفاءة مراكز تربية النحل في المحافظات، بما يضمن إنتاج الطرود والملكات والخلايا الخشبية وبيعها بأسعار تشجيعية، إضافة إلى تأسيس المخابر اللازمة لدراسة العينات المرضية وتحليل العسل ومنتجات الخلية.
وفي جانب مرتبط بتوفير البيئة المناسبة للتربية، تعمل وزارة الزراعة على تنظيم وتنمية المراعي النحلية وتسهيل حركة ونقل الطوائف بين المحافظات، وإقامة المحميات الطبيعية ونشر زراعة الغراس الرحيقية والطلعية.
ويشمل الدعم كذلك تطوير صناعة النحل وإنتاج العسل وتشجيع الاستثمار ودعم سلاسل القيمة، من خلال رعاية الفعاليات التي تضمن مصلحة المربين وخدمتهم وتوفير مستلزمات التربية، وفق رستم.
وفي إطار توفير مستلزمات التربية وتحسين الإنتاج، أكدت رستم أن من أولويات عمل الوزارة إنتاج الطرود والملكات والخلايا الخشبية وبيعها للمربين بأسعار تشجيعية، مشيرة إلى استمرار العمل على برنامج تحسين وتطوير سلالة النحل السورية.
تحسين السلالة
وفي سياق تحسين سلالة النحل السوري، تحدثت رستم عن إجراءات عدة بدأ العمل بها سابقاً، ويجري استئنافها حالياً ومتابعتها لاحقاً، ومنها اختيار المحميات الطبيعية والمواقع المعزولة جغرافياً لتربية السلالات المحلية المنتخبة والمدروسة علمياً، بحيث تكون صفاتها مطابقة لمواصفات سلالة النحل السورية، ومن ثم تهجينها مع السلالات القياسية لتحسينها وتوزيع الملكات الناتجة على المربين.
ولضمان الحفاظ على الخصائص الوراثية المحلية، تشمل الإجراءات وضع الضوابط اللازمة لضمان استيراد السلالات القياسية، تفادياً لحدوث الخلط الوراثي في البيئة المحلية، إلى جانب توعية المربين بأهمية تربية سلالات نحل من مصادر موثوقة وعدم اقتناء السلالات مجهولة المصدر، والتعريف بدور السلالات المحلية في التوافق مع البيئة المحلية.
الإنتاج المحلي
وعلى مستوى السوق، قالت رستم إن الإنتاج المحلي يغطي حاجة السوق، لافتة إلى أن الوزارة تعمل على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لتصدير المنتج والترويج والتسويق له من خلال متابعة جميع الفعاليات الخاصة بذلك.
وبالتوازي مع دعم الإنتاج والتسويق، تتولى الوزارة متابعة جودة العسل، إذ أشارت رستم إلى التأكيد على ضرورة تحليل مادة العسل مخبرياً والابتعاد عن الأساليب التقليدية في تقييم الجودة، إلى جانب توعية المربين باتباع الممارسات الصحيحة في التربية واستخدام المواد الآمنة التي تضمن جودة المنتج ومصداقيته.
ويرتبط ذلك أيضاً بتهيئة البيئة المناسبة للنحل، من خلال نشر زراعة النباتات التي توفر احتياجاته على مدار موسم النشاط.
تطوير التشريعات
وانطلاقاً من التحديات التي تواجه القطاع، تتجه خطة الوزارة خلال السنوات القادمة إلى تطوير التشريعات الناظمة للعمل فيه، ومنها تحديث المواصفة القياسية السورية للعسل والتشريعات الخاصة بتنظيم المربين، إلى جانب تطوير البنى التحتية وترميم المخابر وتحديث الأجهزة وأساليب التشخيص، والعمل في مراكز التربية لإنتاج الطرود والملكات والخلايا الخشبية بأفضل المواصفات، وفق رستم.
وتشمل الخطة كذلك تأهيل الفنيين المختصين لتقديم الاستشارة والخبرة المطلوبة والعمل على توعية المربين، ومواكبة البحث العلمي واستخدام التقنيات الحديثة لتطوير التربية والحصول على المنتجات بأفضل الطرق والمواصفات، فضلاً عن تأسيس الغابات الرحيقية ونشر زراعة النباتات العاسلة.
وفي سياق تطوير القطاع والاستفادة من الخبرات، أكدت رستم أهمية الانفتاح والتعاون مع مختلف الجهات للاستفادة من تجاربها في هذا القطاع بما يناسب واقع التربية في البلاد، وتطوير أساليب التربية ومستلزمات الإنتاج بشكل علمي ومدروس، وضبط جودة منتجات الخلية وتسهيل تبادلها.
أما على صعيد تحويل تربية النحل إلى مشروع اقتصادي مستدام للشباب والأسر الريفية، فقالت رستم إن البيانات المتوفرة لدى الوزارة تظهر انتشاراً واسعاً لتربية النحل على امتداد الجغرافية السورية، التي تتوفر فيها مقومات التربية ومتطلباتها البيئية، من مناخ ملائم وسلالة بلدية وخبرة معرفية وتنوع وتوفر في المراعي النحلية على مدار العام، وغيرها من العوامل التي تنعكس إيجاباً في تنوع الأعسال السورية وغيرها من منتجات الخلية.
وأكدت أن التميز والتفوق في الجودة والنوعية يعززان أهمية تربية النحل باعتبارها من المشاريع الاقتصادية ومصادر الدخل للعديد من الأسر الريفية التي تحرص على استمرار هذا النشاط، مشيرة إلى أنها مهنة يزاولها الأجداد ويتوارثها الأبناء، فضلاً عن أهمية منتجات الخلية في الحياة اليومية.
تكلفة إنشاء منحلة
وتنعكس التحديات التي يواجهها قطاع تربية النحل بصورة مباشرة على كلفة دخول المربين إلى هذا النشاط واستمراره، ولا سيما مع ارتفاع أسعار مستلزمات التربية والخدمة والنقل، ما يجعل حجم رأس المال المطلوب عاملاً مؤثراً في قدرة المربي على بدء المشروع وتوسيعه. وفي هذا السياق، أوضح مربو النحل أن كلفة إنشاء المنحلة تختلف بحسب عدد الخلايا ونوعها ومستوى التجهيزات، فيما تتراكم النفقات التشغيلية مع استمرار دورة التربية.
وقال المربي محمد حسين، إن تأسيس منحلة صغيرة كان في السابق متاحاً برأس مال «معقول نسبياً» قياساً إلى مستويات الدخل آنذاك، وكان بإمكان المربي البدء بنحو 20 إلى 30 خلية. إلا أن ارتفاع تكاليف مستلزمات تربية النحل جعل تأسيس المنحلة وتشغيلها أكثر كلفة، إذ يتراوح سعر الخلية الخشبية الجاهزة حالياً بين 10 آلاف و11 ألف ليرة في بعض المناطق، فيما تضيف تكاليف الإطارات والشمع والأدوية والتغذية والنقل أعباء سنوية إضافية.
وأضاف حسين إن رعاية الخلية الواحدة تتطلب عشرات الآلاف من الليرات سنوياً، فضلاً عن تكاليف نقل الخلايا بين المحافظات، والتي قد ترتفع تبعاً للمسافات والمواسم، ما يزيد إجمالي الكلفة التي يتحملها المربي.
في المقابل، أكد المربي أديب ريشة، أن دخول قطاع تربية النحل يمكن أن يبدأ بعدد محدود من الخلايا، مقترحاً للمبتدئ البدء بخمس خلايا بلدية بدلاً من الخلايا الفنية. وأوضح أن الخلايا البلدية يمكن أن تنتج أربع أو خمس طرود جديدة خلال السنة الأولى، ليضعها المربي لاحقاً في خلايا فنية، ما يتيح له الوصول تدريجياً إلى نحو 20 أو 30 خلية فنية خلال الموسم الأول، قبل توسيع المشروع في المواسم التالية.
أما في حال اختيار البدء بالخلايا الفنية مباشرة، فتتراوح تكلفة الخلية الواحدة حالياً بين 10 آلاف و11 ألف ليرة، مع إمكانية تقسيم الخلايا لاحقاً وزيادة عددها من خمس خلايا إلى نحو 20 خلية.
ويصف ريشة تربية النحل بأنها مشروع ذو مردود اقتصادي جيد، شرط الالتزام بالمتابعة المستمرة والكشف الدوري على الخلايا، إذ قد يؤدي الإهمال أو التقصير إلى نفوق الخلايا واليرقات خلال فترة قصيرة. ويشير إلى أن نجاح المشروع يرتبط أيضاً بتوافر المراعي وإمكانية نقل النحل إليها، باعتبارها عاملاً أساسياً في الحفاظ على الإنتاج. إلا أن تأمين مواقع آمنة للمناحل أصبح أكثر صعوبة في الظروف الحالية مع تزايد سرقة الخلايا، ما يضيف أعباءً وتكاليف إضافية على المربين.
واستدل على ذلك بتجربة عدد من زملائه في منطقة عين حلاقين، ممن لا يملكون أراضي زراعية، ويعتمدون على نقل خلاياهم بالسيارات بين المراعي والغابات، وصولاً إلى حقول القطن في دير الزور أحياناً، ويتمكنون رغم ذلك من تحقيق إنتاج جيد وكميات وفيرة من العسل.
وعن أبرز المخاطر، حذر ريشة من آفة «الدبور الأحمر» التي قد تؤدي إلى نفوق الخلايا إذا لم تُدار بشكل صحيح، مشيراً إلى ضرورة إبعاد الخلايا عن الكروم، إلى جانب «دودة العت» التي تمثل خطراً آخر على المناحل.
كما أكد أن العسل المغشوش أو غير الطبيعي لا يستطيع منافسة العسل الحقيقي، إذ أصبح المستهلك أكثر قدرة على التمييز، خاصة عندما يعرف مصدر العسل ويتأكد من إنتاجه في مناحل حقيقية. أما من يبيع عسلاً من دون امتلاك خلايا للنحل، فسريعاً ما يفقد ثقة السوق.
ويروي ريشة أنه يعمل في تربية النحل منذ عام 1992، ولاحظ خلال السنوات الماضية تراجعاً واضحاً في أعداد المربين والملكات مقارنة بالفترات السابقة، عازياً ذلك إلى تراجع الاهتمام المستمر بمواسم التربية، إلى جانب صعوبة نقل الخلايا من مكان إلى آخر. ويوضح أن المراعي كانت في السابق أكثر وفرة، مع انتشار محاصيل القطن وعباد الشمس والذرة وغيرها من المحاصيل الرحيقية، بينما تراجعت مساحاتها حالياً، ما يفرض على المربين التنقل لمسافات أكبر بحثاً عن مصادر الرحيق، ويزيد الأعباء والتكاليف.
وحول أسعار الخلايا البلدية، يكشف ريشة أن تحديد سعرها يرتبط بقوة الخلية وعدد النحل فيها، أو ما يُعرف بـ«جيش النحل». فإذا كان طرد النحل يملأ نحو نصف الخلية، فقد يبلغ سعرها قرابة 2000 ليرة، بينما قد يصل سعر الخلية الأم القريبة من التطريد إلى نحو 6000 ليرة. ويشير إلى أن الخلايا البلدية تُستخدم أساساً لإنتاج الطرود، نظراً إلى صعوبة التحكم الكامل بعملية التطريد فيها مقارنة بالخلايا الفنية.
وبمقارنة العائد بالتكلفة، أوضح أن الخلية الواحدة قد تنتج في المواسم الجيدة بين 10 و25 كيلوغراماً من العسل، تبعاً لتوافر المراعي والظروف المناخية. ومع تراوح أسعار العسل الطبيعي حالياً بين 1500 و3000 ليرة للكيلوغرام، بحسب النوع والجودة، يمكن للمشروع تحقيق عائد جيد. أما في المواسم الضعيفة، نتيجة الجفاف أو الأمراض، فقد ينخفض إنتاج الخلية إلى أقل من 5 كيلوغرامات، ما يجعل استرداد رأس المال أكثر صعوبة وقد يستغرق عدة سنوات.
وخلص ريشة إلى أن تربية النحل تبقى مشروعاً جيداً ومربحاً لمن يلتزم بالمتابعة والكشف المستمر، ويخطط لنقل الخلايا إلى المراعي المناسبة، في حين قد يحول الإهمال المشروع سريعاً إلى خسارة.
صعوبة التسويق
وبالاستناد إلى واقع القطاع، رأى الخبير الزراعي الدكتور بسام إبراهيم أن الإحصائيات الرسمية المتداولة ظلت لسنوات تكرر الأرقام ذاتها من عام إلى آخر دون تحديث ميداني فعلي، ما يثير تساؤلات حول دقة الإحصائية الحديثة، المقدرة بنحو 290 ألف خلية، وآلية تقدير حجم الإنتاج، ومدى اعتمادها على بيانات جُمعت من المربين على الأرض أو على تقديرات مكتبية.
وقال إبراهيم إن عدداً من المربين المتمرسين واصلوا العمل رغم الصعوبات خلال السنوات الماضية، ما يستدعي التركيز عليهم وتحويل تربية النحل إلى مشروع أسري، لما توفره من فوائد تتجاوز إنتاج العسل إلى زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية بفضل دور النحل في التلقيح. وفي المقابل، تواجه المهنة خطراً مباشراً يتمثل في الرش العشوائي للمبيدات من جانب بعض المزارعين، من دون الالتزام بإرشادات المختصين الزراعيين، ما يهدد طوائف النحل.
وتطرق إبراهيم إلى تراجع الدعم الذي كان يُقدم سابقاً للمربين، بما في ذلك توفير الأدوية والسكر بأسعار مخفضة، بالتزامن مع انخفاض أعداد المربين ذوي الخبرة. وأضاف أن كثيراً من الأسر في القرى لم تعد قادرة على الاستمرار في تربية النحل بسبب نقص الخبرة من جهة، والرش العشوائي للمبيدات من جهة أخرى، لا سيما قبل غروب الشمس، ما تسبب في نفوق أعداد كبيرة من الخلايا.
وأشار إلى عامل إضافي يتمثل في غياب الأمان في مواقع المناحل وانتشار سرقة الخلايا خلال الفترة السابقة، ما جعل نقل الخلايا بين المراعي أكثر خطورة، ودفع كثيراً من المربين إلى إبقائها في مواقع مؤمنة على حساب انخفاض الإنتاجية، أو تقليص أعدادها، فيما اضطر آخرون إلى التخلي عن المهنة نهائياً وبيع ما تبقى لديهم من خلايا.
وفي ما يتعلق بالتسويق، لفت إبراهيم إلى صعوبته وتعقيده، لاعتماده بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية والثقة بين المنتج والمشتري، خاصة عند التحقق من طبيعية العسل وخلوه من الغش بالسكر أو مواد أخرى. أما التحليل المخبري، الذي يمكن أن يكشف تركيب العسل والمواد الداخلة فيه، فيبقى مرتفع التكلفة وغير متاح بسهولة لجميع المنتجين والمستهلكين.
الثورة السورية
اقرأ أيضاً: بمواصفات ممتازة وجودة عالية.. عسل صافيتا الطبيعي حضور قوي في الأسواق ومنتجات جديدة منافسة
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
