آلاف السوريين يمتلكون الخبرة ولا يمتلكون ما يثبتها.. منظمة العمل الدولية تفتح ملف الاعتراف بالخبرات المهنية المكتسبة خارج قاعات الدراسة

أخبار الصناعة السورية:

في الوقت الذي تسعى فيه سوريا إلى إعادة تشغيل مصانعها وورشها ومنشآتها الاقتصادية، تبرز مشكلة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في النقاشات المتعلقة بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي: آلاف العمال والحرفيين يمتلكون خبرات عملية اكتسبوها خلال سنوات طويلة، لكن كثيراً منهم لا يملكون شهادات مهنية توثق تلك الخبرات وتساعدهم على إثبات كفاءاتهم أمام أصحاب العمل.
هذه المسألة لم تعد مجرد انطباع يتداوله العاملون في السوق، بل أصبحت موضوعاً تناولته دراسات حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية.


أرقام تستحق التوقف عندها
في 11 أيار/مايو 2026، نشرت منظمة العمل الدولية، بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تقريراً بعنوان «تقييم مهارات السوريين العائدين» (Skills Profiling of Syrian Returnees).

استند التقرير إلى 5,335 استجابة جُمعت في أربع محافظات سورية، وكشف أن أكثر من 80% من المشاركين كانوا عاطلين عن العمل وقت إجراء المسح، رغم امتلاك كثير منهم خبرات مهنية سابقة، بعضها اكتُسب خلال سنوات اللجوء والعمل خارج البلاد.

وهذه النسبة تخص المشاركين في الدراسة، ولا تمثل بالضرورة معدل البطالة بين جميع السوريين العائدين.

وفي دراسة أخرى صدرت في تموز/يوليو 2025، تناولت منظمة العمل الدولية فجوات المهارات في قطاعات صناعية سورية، استناداً إلى مقابلات مع 140 مصنعاً في دمشق وحلب وحمص وحماة، شملت الصناعات الغذائية والنسيجية والكيميائية والبلاستيكية والهندسية.

وتضع الدراستان أمامنا سؤالاً اقتصادياً مهماً: كيف يمكن إعادة ربط المهارات الموجودة بالفعل باحتياجات المنشآت الصناعية وفرص العمل؟

الخبرة موجودة… ولكن كيف نثبتها؟

لنتخيل عاملاً سورياً أمضى خمسة عشر عاماً في صيانة أنظمة التبريد والتكييف، أو كهربائياً نفذ عشرات المشاريع، أو فنياً اكتسب خبرته من العمل في مصانع خارج البلاد.

قد يمتلك هؤلاء مهارات عملية عالية، وربما تتجاوز كفاءتهم كفاءة بعض الخريجين الجدد، لكن كيف يستطيع صاحب العمل التحقق من مستوى تلك المهارات بصورة موضوعية؟

هل تكفي سنوات الخبرة المعلنة؟ وهل يُعقل أن يُطلب من صاحب خبرة طويلة إعادة دراسة كل ما يعرفه للحصول على إثبات مهني؟

هنا تبرز أهمية نظام دولي يُعرف باسم الاعتراف بالتعلم السابق (Recognition of Prior Learning – RPL).

يقوم هذا النظام على مبدأ بسيط: ليس ضرورياً أن تكون المهارة قد اكتُسبت داخل مؤسسة تعليمية حتى تصبح قابلة للتقييم والاعتراف.

فالتعلم يمكن أن يحدث في المصنع والورشة وموقع البناء، كما يمكن أن يحدث في المعاهد ومراكز التدريب.

منظمة العمل الدولية توصي بالاعتراف بالخبرات

اللافت في تقرير المنظمة لعام 2026 أنه لم يكتف بعرض مشكلة البطالة وضعف الوصول إلى التدريب، بل تضمّن توصية مباشرة بتطوير آليات للاعتراف بالخبرات العملية وغير النظامية من خلال أنظمة الشهادات المهنية أو أطر الاعتراف بالتعلم السابق (RPL).

وتكمن أهمية هذه التوصية في أنها تنقل النقاش من سؤال «كيف ندرّب المزيد من العمال؟» إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: «كيف نكتشف ما يعرفه العمال بالفعل، ثم نحدد المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها؟».
فليس كل عامل بحاجة إلى بدء التدريب من الصفر، وليس كل صاحب خبرة مؤهلاً تلقائياً للحصول على شهادة دون تقييم.
الحل يكمن في منظومة تقيس الكفاءة الفعلية، وتتحقق من الأدلة المهنية، وتخضع المتقدم لاختبارات مناسبة لتخصصه، ثم تحدد ما ينقصه من معارف أو مهارات قبل استكمال التقييم.
تجربة قريبة من سوريا
في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت منظمة العمل الدولية استكمال مبادرة استمرت عامين في الأردن لتطوير نظام الاعتراف بالتعلم السابق، بالتعاون مع جهات وطنية مختصة.
واستهدفت التجربة التجريبية ألف شخص من الأردنيين واللاجئين السوريين، بهدف تقييم المهارات المكتسبة من العمل والخبرات السابقة وربطها بمعايير مهنية.
وتقدم هذه التجربة مثالاً عملياً على إمكانية تحويل المعرفة المهنية غير الموثقة إلى كفاءات يمكن تقييمها وإثباتها ضمن منظومة مؤسسية.
ما الذي تحتاجه سوريا؟
لا تقتصر أهمية الاعتراف بالخبرات على العامل الذي يبحث عن فرصة عمل، بل تمتد إلى أصحاب المصانع والشركات الذين يحتاجون إلى معرفة المستوى الحقيقي للأشخاص الذين يوظفونهم.
ومن الممكن أن تؤدي غرف الصناعة والتجارة، والنقابات والاتحادات العمالية، ومؤسسات التدريب المهني، دوراً محورياً في بناء منظومة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
1.تقييم الخبرات القائمة:
تحديد ما يستطيع العامل إنجازه فعلياً، من خلال أدلة واختبارات مرتبطة بالمهنة.
2. معالجة فجوات المهارات: توفير تدريب محدد يستهدف النقص الحقيقي بدلاً من إعادة تدريس مهارات يتقنها العامل.
3. توثيق الكفاءة المهنية: إصدار شهادات قابلة للتحقق، وفق معايير واضحة وإجراءات تضمن النزاهة والجودة.
ويمكن للتكنولوجيا الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أن تساعد في تحليل ملفات الخبرة، وتنظيم الأدلة، وتحديد فجوات الكفاءة، على أن تبقى القرارات المهنية خاضعة لتقييم بشري مسؤول ومعايير موثوقة.
من إعادة الإعمار إلى إعادة الاعتبار للخبرة
إن الحديث عن إعادة إعمار سوريا لا ينبغي أن يقتصر على الإسمنت والحديد والاستثمارات والآلات، فالقوة البشرية المؤهلة هي العنصر الذي يحول هذه الموارد إلى إنتاج حقيقي.

وسوريا التي خسرت خلال السنوات الماضية الكثير من مواردها الاقتصادية، لا تستطيع تحمل خسارة إضافية تتمثل في إهدار الخبرات المتراكمة لدى أبنائها، سواء الذين بقوا في الداخل أو الذين اكتسبوا مهارات جديدة في بلدان الاغتراب.

إن الاعتراف بالخبرة لا يعني منح الشهادات لكل من يدّعي امتلاكها، وإنما بناء طريق مهني عادل يسمح لكل عامل بإثبات ما يعرفه وما يستطيع إنجازه.

وهنا يصبح السؤال المطروح أمام المؤسسات الاقتصادية والجهات المعنية بالتشغيل والتدريب:

كم من الخبرات السورية ما زال خارج سوق العمل المنظم، ليس بسبب غياب المهارة، بل بسبب غياب وسيلة موثوقة لإثباتها؟

ربما تكون الخطوة الأولى نحو الاستفادة من تلك الخبرات هي أن نبدأ بتقييم ما يعرفه السوريون بالفعل، قبل أن نطلب منهم تعلم كل شيء من جديد.

المصادر الرسمية المعتمدة للمقال:

* [منظمة العمل الدولية – تقييم مهارات السوريين العائدين (2026)](https://www.ilo.org/publications/skills-profiling-syrian-returnees?utm_source=chatgpt.com). International Labour Organization

* [منظمة العمل الدولية – تقييم فجوات المهارات الصناعية في سوريا (2025)](https://www.ilo.org/publications/rapid-skills-gap-assessment-selected-industrial-sectors-syria?utm_source=chatgpt.com). International Labour Organization

* [منظمة العمل الدولية – تجربة تطبيق RPL في الأردن (2026)](https://www.ilo.org/resource/news/ilo-and-partners-establish-official-recognition-prior-learning-system?utm_source=chatgpt.com). International Labour Organization

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen