أخبار الصناعة السورية:
يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد، أن توقيع أول عقد لإعادة التأمين بين المؤسسة العامة السورية للتأمين وسوق “لويدز” البريطاني، بوساطة شركة دولية متخصصة، يمثل حدثاً استثنائياً في مسار الاقتصاد السوري المعاصر. فبعد انقطاع استمر أكثر من خمسة عشر عاماً عن أسواق إعادة التأمين المنظمة، تبرز هذه الخطوة كمؤشر أولي على إمكانية إعادة التموضع ضمن حلقات النظام المالي العالمي، وإن كان ذلك بصورة انتقائية ومحدودة.
ويؤكد أن قراءة هذا التطور من منظور الاقتصاد السياسي للتأمين تستوجب تجاوز الحماسة الإعلامية المصاحبة له، والتوقف عند ثلاث قضايا بنيوية رئيسية، تتمثل في كيفية تمويل أقساط إعادة التأمين بالعملة الأجنبية، وانعكاس العقد على تسعير المخاطر النظامية، ومدى قابلية تنفيذ هذه العقود في ظل استمرار العقوبات المالية وتعقيدات التحويلات المصرفية.
أثر العقد في ميزان المدفوعات واحتياطي القطع الأجنبي
ويشير الدكتور محمد إلى أن إبرام عقد إعادة تأمين مع سوق “لويدز” ومعيدي تأمين دوليين يعني عملياً تحويل أقساط التأمين بالعملة الصعبة إلى الخارج، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تمويل هذه الأقساط في ظل شح النقد الأجنبي والعقوبات المالية، وما إذا كانت المؤسسة العامة السورية للتأمين ستتمكن على المدى المتوسط من تحقيق وفر في القطع الأجنبي عبر تقليل الاعتماد على التأمين المباشر من الخارج لأسطول الطيران السوري، أم إن صافي التدفقات سيبقى سلبياً.
ويوضح أن الأثر على ميزان المدفوعات يحمل جانبين متوازيين؛ الأول يتمثل في أثر مباشر قصير الأجل، إذ ستقوم المؤسسة بتحويل جزء من أقساط التأمين المحصلة إلى معيدي التأمين في لندن، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على ميزان المدفوعات في ظل أزمة السيولة بالقطع الأجنبي. كما تبرز مشكلة إضافية تتمثل في أن معظم إيرادات المؤسسة محررة بالليرة السورية، في حين تتطلب التسويات مع “لويدز” الدفع بالعملة الأجنبية، الأمر الذي يفرض عبئاً إضافياً على المؤسسة أو على مصرف سورية المركزي لتأمين القطع.
أما الأثر الثاني فهو غير مباشر وعلى المدى المتوسط، إذ يلفت إلى أن تشغيل الطائرات السورية في الأجواء الأوروبية كان يتطلب سابقاً شراء تغطيات تأمينية مباشرة من الخارج بتكلفة مرتفعة نتيجة مخاطر العقوبات. وإذا تمكنت المؤسسة السورية للتأمين من الاحتفاظ بجزء من المخاطر محلياً وإعادة تأمين الفائض عبر العقد الجديد بأسعار أكثر تنافسية، فقد يتحقق وفر في إجمالي تكلفة التأمين، بما يخفف الضغط على احتياطي القطع الأجنبي مقارنة بالوضع السابق.
ويؤكد أن الحكم النهائي يبقى مرتبطاً بالفارق بين الأسعار الجديدة التي يوفرها عقد “لويدز” والأسعار السابقة للتأمين المباشر، فإذا كان هذا الفارق كبيراً فقد يتحول الأثر الصافي إلى إيجابي نسبياً، وخاصة مع توسع حركة الطيران السوري نحو الوجهات الأوروبية، إلا أن ذلك لن يتضح إلا بعد انتهاء دورة تعاقدية كاملة.
انعكاسات العقد على تسعير المخاطر في القطاعات الأخرى
ويرى الدكتور محمد أن عودة التواصل مع أسواق إعادة التأمين العالمية قد تفتح الباب أمام إعادة تسعير المخاطر السورية بشكل عام، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا العقد الخاص بالطيران سيمهد الطريق أمام توفير تغطيات أقل تكلفة لقطاعات النقل البحري والطاقة والمشاريع الاستثمارية، أم إن تركيز السعة التأمينية الدولية المحدودة على قطاع الطيران قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التأمين في القطاعات الأخرى.
ويُطرح في هذا السياق سيناريوهان؛ الأول متفائل ومشروط، إذ يرى أن دخول سوق “لويدز”، بوصفه أعرق أسواق التأمين على المخاطر الاستثنائية، عبر مؤسسة سيادية سورية، قد يشكل بداية لكسر علاوة مخاطر العزلة. وإذا أثبت العقد نجاحه من حيث سلامة الاكتتاب وانتظام سداد الأقساط وعدم نشوء نزاعات كبيرة، فقد يسهم تدريجياً في توسيع الثقة لتشمل قطاعات النقل البحري والطاقة والاستثمار، كما ستراقب شركات التصنيف الائتماني ووسطاء التأمين أداء هذا العقد لإعادة تقييم المخاطر السورية، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على انخفاض أسعار التأمين في قطاعات أخرى.
في المقابل، يطرح سيناريو أكثر تحفظاً، يتمثل في احتمال استنزاف السعة التأمينية الدولية المحدودة المخصصة لسوريا، نظراً لاستمرار تصنيفها ضمن الأسواق عالية المخاطر. وفي حال تركزت هذه السعة في تغطية قطاع الطيران، فقد ترتفع أسعار التأمين على قطاعات أخرى كالنقل البحري والتأمين الهندسي، مع محدودية البدائل المتاحة أمام شركات التأمين المحلية.
ويحذر كذلك من خطر اقتصادي يتمثل في إمكانية تقديم أسعار تنافسية لقطاع الطيران على حساب قطاعات أخرى أكثر أهمية للاقتصاد الكلي، مؤكداً أن انعكاسات العقد على بقية القطاعات ستتوقف على جودة إدارة المحفظة التأمينية الوطنية، وأن غياب استراتيجية واضحة لتوزيع السعة التأمينية الدولية قد يؤدي إلى تشوهات بدلاً من تحقيق مكاسب شاملة.
تحديات تنفيذ العقد في ظل العقوبات
ويصف الدكتور محمد مسألة تنفيذ العقد بأنها الأكثر حساسية من الناحية القانونية والمالية، لكون أي مطالبة مستقبلية بالتعويض ستخضع للقانون الإنجليزي والتحكيم الدولي، وهو ما يثير تساؤلات حول الآلية التي ستضمن وصول التعويضات إلى الشركة السورية القابضة للطيران من دون التعرض للتجميد أو الحجز، وما إذا كانت التغطية التأمينية ستكون قابلة للتنفيذ فعلاً عند وقوع خسائر.
ويشير إلى أن مدفوعات إعادة التأمين الصادرة عن “لويدز” تخضع لقواعد امتثال صارمة، تشمل التحقق من المستفيد النهائي، في وقت لا تزال الشركة السورية القابضة للطيران وبعض الجهات المرتبطة بها خاضعة لعقوبات قطاعية غربية، ما يخلق مفارقة تتمثل في إمكانية قبول الأقساط، مقابل وجود قيود قانونية قد تمنع دفع التعويضات للطرف نفسه إذا اعتبر خاضعاً للعقوبات.
كما يوضح أن سوق “لويدز” ملزم بالامتثال لأنظمة العقوبات البريطانية، وأي بند تعاقدي يتجاهل هذه القيود قد يصبح غير قابل للتنفيذ أمام القضاء الإنجليزي.
ويضيف أن بعض الحلول قد تتمثل في هيكلة عمليات الدفع عبر وسطاء ماليين في دول ثالثة أو استخدام ترتيبات ائتمانية خاصة، إلا أن هذه الحلول تبقى معرضة لمتطلبات الامتثال التي تطبقها المؤسسات المالية الغربية. وفي حال وقوع حادث كبير لطائرة، فإن ملف التعويض قد يخضع لإجراءات تدقيق طويلة قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات، وربما يتطلب الحصول على تراخيص استثنائية، الأمر الذي قد يجعل التغطية التأمينية أقرب إلى غطاء اسمي منها إلى حماية تجارية كاملة.
ويرى أن الضمانات القانونية الحقيقية لن تكون متوافرة إلا إذا رافقتها تراخيص واضحة من الجهات الرقابية المختصة تسمح بمرور التعويضات، وإلا فإن العقد سيظل معرضاً لخطر التجميد عند أول اختبار عملي، بما يحد من قيمته الاقتصادية، رغم أهميته السياسية والإشارية.
خطوة مهمة… لكنها ليست تحولاً هيكلياً
ويخلص الدكتور محمد إلى أن عقد إعادة التأمين يمثل، من منظور الاقتصاد التأميني، خطوة ذات دلالة رمزية وسياسية واقتصادية مهمة، إذ يختبر قدرة النظام المالي السوري على إعادة التواصل مع أسواق التأمين العالمية عبر قطاع حساس مثل النقل الجوي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين إعادة الاتصال التأميني وإعادة الاندماج المالي الكامل.
ويعتبر أن مثل هذه العقود، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة واستمرار العقوبات القطاعية، تبقى معرضة للتعثر عند أول مطالبة تعويضية كبيرة، ما يجعلها أقرب إلى عقود تقع في المنطقة الرمادية بين المخاطرة التجارية والاستثناء السياسي.
ويشير إلى أنها قد تحقق وفورات محدودة في تكاليف تأمين أسطول الطيران السوري، لكنها لا تمثل حتى الآن نواة لعودة شاملة لتغطية المخاطر السيادية السورية في الأسواق الدولية.
ويؤكد أن نجاح هذه التجربة على المدى الطويل يرتبط بثلاثة شروط رئيسية، هي وجود ترتيبات شفافة لعمليات الدفع والتعويض، والتوسع التدريجي نحو قطاعات اقتصادية أخرى، وإدارة محفظة تأمينية وطنية تضمن عدم استنزاف السعة الدولية المحدودة في قطاع واحد. وحتى تتحقق هذه الشروط، يبقى العقد إشارة اقتصادية وسياسية مهمة، لكنه لا يمثل بعد تحولاً هيكلياً في واقع تأمين المخاطر السورية.
الوطن
اقرأ أيضاً: السورية للتأمين توقع عقداً مع شركة عالمية لصالح الشركة السورية القابضة للطيران
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
