التأمين الصحي في سوريا.. هل تعزز الإصلاحات حماية ذوي الدخل المحدود؟

أخبار الصناعة السورية:

في ظل إصلاحات متسارعة تطال منظومة التأمين الصحي في سوريا، تبرز تساؤلات حول قدرة هذه التعديلات على تعزيز الحماية الفعلية للفئات محدودة الدخل، في وقت تتقاطع فيه الوعود بتحسين التغطية مع تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف العلاج، وضغوط التمويل، وتراجع كفاءة بعض الخدمات.

وتأتي هذه التحركات ضمن مسار إصلاحي أعلنت عنه الحكومة، بدأ بتشكيل لجنة مشتركة لإعادة هيكلة النظام، بهدف توسيع نطاق التغطية وتحسين جودة الخدمات، انطلاقاً من مطلع عام 2026، في محاولة لسد الفجوة بين التغطية التأمينية والكلفة الفعلية للرعاية الصحية.

ولم تكن منظومة التأمين الصحي مرضية، ما دفع الحكومة إلى تنفيذ سلسلة من الإصلاحات بهدف تأمين الحد الأدنى المقبول من التغطية الصحية للعاملين في الدولة، حيث تم رفع سقف التغطية داخل المشافي من خمسة ملايين إلى 20 مليون ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل أربعة أضعاف التغطية السابقة، كما شملت التعديلات رفع سقف العلاج خارج المشفى للأمراض غير المزمنة من 750 ألف ليرة إلى مليون ونصف المليون ليرة، ورفع تغطية الأدوية المزمنة من 900 ألف إلى مليوني ليرة سورية، إلى جانب زيادة سقف البدائل الصناعية من مليونين ونصف المليون إلى ستة ملايين ليرة، في محاولة لتقليص الفجوة بين التغطية التأمينية والكلفة الفعلية للعلاج.

تراجع الثقة

رغم الإصلاحات الحكومية، يبقى التحدي الأبرز الذي يواجه قطاع التأمين الصحي في سوريا متمثلاً في تراجع ثقة المواطن بفاعلية بطاقة التأمين الصحي وقدرتها على تأمين الحماية المطلوبة عند الحاجة إلى العلاج أو الخدمات الطبية، وفق ما قال الخبير التأميني سامر العش.

ويعود ذلك إلى غياب إطار تشريعي متكامل ينظم القطاع بصورة واضحة ومستقلة، إذ ما تزال المنظومة تعتمد على مجموعة من النصوص والقرارات المتفرقة التي لا ترقى إلى مستوى قانون تخصصي شامل، بخلاف العديد من الدول العربية التي اعتمدت تشريعات متطورة وواضحة لتنظيم التأمين الصحي.

كما أن تبعية الإشراف على القطاع لجهات ذات طابع مالي بحت تطرح إشكالية تتعلق بتوازن الأولويات بين ضبط الإنفاق وحماية جودة الخدمة وحقوق المؤمن لهم، في حين تعتمد التجارب الدولية الناجحة عادة على هيئات رقابية مستقلة ومتخصصة، وفق العش.

ولفت الخبير إلى أن قطاع التأمين لا يزال يعاني من ضعف البنية الرقمية والاعتماد الواسع على الإجراءات الورقية التقليدية، الأمر الذي يؤدي إلى بطء في الموافقات والتسويات، وارتفاع التكاليف التشغيلية، وتراجع الكفاءة والشفافية.

وأضاف العش أن التراجع المستمر في القيمة الحقيقية للتغطيات التأمينية نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، كلها عوامل أدت إلى انخفاض فعالية سقوف التغطية مقارنة بالكلفة الفعلية للعلاج، ناهيك عن طول الإجراءات الإدارية المرتبطة بالحصول على الموافقات الطبية وتسوية المطالبات، الأمر الذي يدفع العديد من المرضى إلى تحمل جزء كبير من النفقات مباشرة أو تأجيل العلاج.

ارتفاع التكاليف

رأى العش أن قطاع التأمين الصحي شهد خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً مالية كبيرة نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الخدمات الطبية والأدوية والاستشفاء، بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فرغم وصول حجم أقساط التأمين الصحي إلى مستويات مرتفعة نسبياً، فإن الزيادة المتسارعة في النفقات الطبية تفوق قدرة شركات التأمين على تعديل الأقساط بالمعدلات ذاتها، نظراً للظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.

وأوضح أن المؤمن له يواجه تقلصاً واضحاً في القيمة الفعلية للتغطيات التأمينية، حيث أصبحت الحدود المالية المعتمدة في العديد من العقود غير كافية لتغطية جزء كبير من تكاليف العلاج، كما أن انخفاض متوسط الإنفاق الصحي للفرد في سوريا مقارنة بالدول المجاورة يعكس حجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية والتأمينية معاً، ويؤكد الحاجة إلى إعادة هيكلة النموذج المالي للتأمين الصحي بما يحقق قدراً أكبر من الاستدامة والتوازن.

وكان وزير المالية محمد يسر برنية، قد أوضح في تصريح سابق أن الوزارة راجعت التعويضات المقدمة لجميع مزودي خدمة التأمين الصحي، من أطباء ومشافٍ وصيدليات، وقررت رفعها من دون فرض أي زيادة في التحملات على العاملين في الدولة، مع رفع أجور الأطباء والمشافي المتعاقدة بنسبة تصل إلى 100 بالمئة، وذلك لمعالجة أسباب العزوف السابق عن التعامل مع التأمين الصحي الحكومي.

وأرجع برنية ضعف التزام عدد من الأطباء بالمنظومة خلال السنوات الماضية إلى انخفاض المردود المالي للمعاينة أو الوصفة الطبية، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات المالية في السابق، ما دفع كثيراً من الأطباء والصيادلة إلى التهرب من الانضمام إلى الشبكة.

وأشار إلى أن هذه العوائق جرى العمل على معالجتها عبر تسريع آليات الصرف وإتاحة تحصيل التعويضات على نحو أكثر مرونة، الأمر الذي أسهم في رفع عدد مزودي الخدمة من نحو 1200 إلى 3000 مخدم، مع توقعات بزيادة العدد خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب إدخال أدوات رقمية لمتابعة الأداء وتلقي الشكاوى، وتفعيل قنوات إلكترونية للتواصل المباشر، بما فيها خدمة مخصصة عبر تطبيق “واتساب” لمعالجة الشكاوى الطارئة التي لا تحتمل التأخير، في إطار مساعٍ للحد من الفساد وسوء الاستخدام داخل المنظومة، بحسب وزير المالية.

خطة الإصلاح

تقوم خطة الإصلاح، وفق ما تم الاتفاق عليه في اللجنة المشتركة بين وزارتي الصحة والمالية، على ثلاث مراحل مترابطة، تبدأ بتحسين الحد المالي لتغطية العاملين في الدولة، ثم الانتقال إلى إرساء نظام تأمين تكافلي ضمن الدولة السورية وتحت إشرافها المباشر، وصولاً إلى مرحلة ثالثة تركز على إعادة ترميم الهيكل الصحي وربط التأمين الصحي بالتحول الرقمي والاعتمادية، بما يعزز الشفافية ويرفع جودة الخدمات الصحية.

وتتجه الحكومة في المدى المتوسط، وفق وزير المالية، إلى توسيع نطاق التأمين الصحي ليشمل عائلات العاملين في الدولة، إلى جانب إدخال المتقاعدين ضمن مظلة التأمين، كاشفاً عن وجود دراسة خاصة تستهدف المتقاعدين وكبار السن، من المتوقع أن تفضي إلى توفير تأمين صحي لهم خلال الفترة القادمة.

إدارة النفقات الطبية

تلعب شركات إدارة النفقات الطبية دوراً مهماً في عملية التأمين الصحي، إلا أن مشاكلها تتركز حول تأخر سداد المستحقات المالية، وضعف القوة الشرائية للتغطيات التأمينية بسبب التضخم، وتعقيد الإجراءات الإدارية والتقنية، واعتراضات مزودي الخدمات (أطباء، صيادلة، مشافٍ).

وأوضح مدير شركة لإدارة نفقات التأمين الصحي، الدكتور يوسف سلامة، إن شركات إدارة النفقات الطبية (TPA) في سوريا تواجه حالياً تحديات مركبة تتمثل في ضعف البنية التحتية الصحية، ونقص التمويل، وتحديات خاصة في عملية الربط مع المنظومة المصرفية التي يعتمد عليها قطاع التأمين بشكل كامل، مما يؤدي إلى صعوبات في حصول مزودي الخدمة من أطباء وصيادلة ومشافٍ على مستحقاتهم المالية، وهو ما يؤثر على انتشار الشبكة الطبية وشموليتها، بينما يحمل المستقبل مخاطر إضافية مرتبطة بالاستدامة المالية، والتحول الرقمي، وضبط البروتوكول الطبي.

وأضاف أن هذه التحديات تجعل عمل الشركات أكثر صعوبة في ظل بيئة صحية لا تزال تعاني من تدمير البنية التحتية الصحية، حيث إن أكثر من 40 بالمئة من المستشفيات و60 بالمئة من المراكز الصحية تعمل جزئياً أو متوقفة بسبب ما مر على سوريا من دمار، مما يضع ضغطاً هائلاً على شركات إدارة النفقات الطبية في متابعة المطالبات وتغطية الخدمات.

كما أدت هجرة الأطباء والكوادر الطبية متعددة التخصصات إلى فجوات في تقديم الخدمات الطبية، مع شح المستلزمات في الفترات السابقة وارتفاع الأسعار وصعوبة إجراء الصيانة والمعايرة للأجهزة الشعاعية والمخبرية بسبب غياب سوريا عن المنظومة الصحية العالمية التي بدأت تنفتح مؤخراً على السوق الطبي السوري.

وتبرز الحاجة أيضاً إلى التحول الوطني الرقمي وربط أنظمة إدارة المطالبات الإلكترونية بقاعدة بيانات وطنية، وهو تحدٍ كبير في ظل ضعف البنية التكنولوجية، إضافة إلى ضرورة التعاون مع الجامعات السورية لتأهيل كوادر مؤهلة في مجال الترميز الطبي والتأمين وإدارة المطالبات وفق المعايير المعتمدة عالمياً.

وحول العلاقة بين شركات إدارة النفقات الطبية وهيئة الإشراف على التأمين، يرى سلامة أن طبيعة العلاقة هي علاقة تنظيمية ضرورية لكنها مليئة بالتحديات للمرحلة القادمة، والتي تتعاون فيها شركة الخدمات المتميزة وشركات الإدارة مع هيئة الإشراف على التأمين التي تعمل بشكل مستمر وتحقق خطوات مهمة في مجال تحديث التشريعات الناظمة لعمل قطاع التأمين، وإدخال التحول الرقمي في الرقابة، وإتمام عملية التكامل بين منظومة التأمين الصحي مع باقي الوزارات والمؤسسات بشكل علمي، وتعمل على بناء منظومة تساهم في تعزيز الشفافية وتأسيس شراكات محلية ودولية تساهم في إعادة بناء الثقة وتطوير قطاع التأمين.

 

الثورة السورية

 

 

اقرأ أيضاً: خطة لإصلاح التأمين الصحي في سوريا

 

صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen