المتقاعدون في سوريا.. دخل محدود وصعوبات معيشية

أخبار الصناعة السورية:

في مجتمع يزداد فيه الضغط الاقتصادي، يقف المتقاعدون في سوريا على حافة تحديات متصاعدة. خبرة طويلة وعطاء ممتد، لكن واقع الحياة اليومية يفرض عليهم مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، والتضخم المتسارع، وخدمات متفاوتة الجودة، فكيف يمكن لكبار السن أن يعيشوا حياة كريمة مع دخل تقاعدي غالباً لا يكفي لسد أبسط الاحتياجات؟

من صعوبة تأمين الأدوية إلى مواجهة النفقات الأساسية، يسلط الواقع الضوء على فجوة كبيرة بين الدعم المقدم والاحتياجات الحقيقية لهذه الفئة، ما يجعلها الحلقة الأضعف في البنية الاقتصادية.

ترقب وحيرة

سالم العبدة (69 عاماً)، مهندس مدني متقاعد، يشعر بارتفاع تكاليف المعيشة وبفوارق الخدمات مع مرور الوقت، ويقول: “كيف يمكنني الحفاظ على مستوى معيشة كريمة دون الاعتماد على المعاش وحده؟

عادل كريّم (71 عاماً)، عامل متقاعد من المطاحن، يقول إنه يراقب التضخم يومياً ويتساءل عما إذا كانت سياسات الدعم ما زالت موجودة، وهل سيجد خياراً يضمن استقراراً مالياً وصحياً في سنواته القادمة؟

أما عبد الله بوز العسل (77 عاماً)، يعيش مع زوجته فاطمة، ويعتمدان على معاشيهما التقاعديين، لكنهما يواجهان هوة بين الدخل والمصروف وتأمين الأدوية. ويقول: “أعتمد في حياتي على التوفير والادخار كخطة طوارئ، ولكن هذا شبه مستحيل في هذه الأيام، وأفكر أحياناً في الهجرة إلى أبنائي. المصيبة، كيف أتعامل مع العجز المتكرر في النفقات الطبية؟ وهل من المعقول أن أضع راتبي ثمن أدوية لي ولزوجتي؟

سياسات دعم المتقاعدين

في سوريا، تعتمد سياسة التقاعد على بلوغ سن الستين للرجال و55 عاماً للنساء، مع اشتراط مدة خدمة تتراوح بين 15 و30 عاماً لاستحقاق المعاش التقاعدي.

في عام 2025، نفّذت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية المرسوم رقم “103”، القاضي بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية المشمولين بقوانين التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة زيادة بنسبة 200 بالمئة من قيمة المعاش.

وأوضح مدير عام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، حسن خطيب، في تصريح سابق، أن الكتلة الإجمالية لرواتب المتقاعدين بعد الزيادة بلغت 423 مليار ليرة قديمة، يستفيد منها 475,994 متقاعداً، ما يعني أن متوسط المعاش الشهري بلغ نحو 8,800 ليرة جديدة (880,000 ليرة قديمة). وأشار حينها إلى أن هذه الزيادة ستنعكس بشكل إيجابي على أوضاع المتقاعدين المعيشية.

عالمياً، تتباين سياسات دعم المتقاعدين في بنيتها وآليات تمويلها. ففي دول مثل هولندا والدنمارك، يقوم نظام التقاعد على نموذج متعدد الدعائم يجمع بين معاش أساسي ممول من الدولة وصناديق تقاعد مهنية إلزامية، ما يضمن تغطية واسعة واستقراراً طويل الأمد.

في المقابل، تعتمد سنغافورة نموذج صندوق الادخار المركزي الإلزامي، الذي يقوم على مساهمات مشتركة من العامل وصاحب العمل ويُستخدم لتأمين احتياجات التقاعد والرعاية الصحية والسكن.

وتشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن دولاً ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل الصين، تعمل على إدخال إصلاحات تدريجية على أنظمة التقاعد لمواجهة تحديات الشيخوخة وارتفاع أعباء الإنفاق العام.

حقوق ضائعة

يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن مسألة المتقاعدين معقدة، لأنها تتعلق بشريحة من المجتمع نشأت في فترات أفضل، حين كانت تُخصم أجزاء من رواتب المتقاعدين لصالح التأمينات بهدف توفير معاش تقاعدي لهم عند توقفهم عن العمل، لكن ضاع جزء كبير من حقوقهم، لأن قيمة الأموال والضرائب والرسوم تغيّرت خلال السنوات الماضية.

ويقول الدبس، إن الدولة اليوم وليدة وليست لديها إمكانات مادية كافية لحماية المتقاعدين، إضافة إلى أن العمل في هذا العمر ليس متاحاً لكثيرين منهم. ومع ذلك، يمكن للدولة القيام بأمور بسيطة قد تخفف جزءاً من المعاناة، كزيادة بسيطة في المرتبات التقاعدية، وتحسين الرعاية الصحية المقدمة لهم، خصوصاً أن المستشفيات الحكومية لا تلبّي جميع احتياجات كبار السن.

وأضاف أن هناك بعض الخدمات الطبية مثل ليزر العين والقرنيات والعدسات والأسنان وخدمات أمراض أخرى تعتبرها الدولة غير مجانية، ومن الممكن أن تقدم الدولة للمتقاعدين شريحة من الخدمات الطبية الخاصة بهم، إما عبر مستشفيات خاصة مدفوعة الأجر من قبل الدولة وإما بإلزام المستشفيات الخاصة بتقديم خصومات لمن هم في عمر محدد. كما اقترح الإعفاء من الضرائب على الرواتب التقاعدية.

وتطرق أيضاً إلى فكرة الدعم المادي المباشر المطبقة في بعض الدول المجاورة ودول أوروبا، إذ يحصل الشخص الذي بلغ 60 عاماً على بطاقة أو دعم مادي يمكنه من الحصول على خصومات في بعض المتاجر، أو يمنح مبلغاً مالياً شهرياً كمساعدة. وهدف هذه السياسات دعم المتقاعدين، لكن أوضح أن المشكلة الحالية أقوى من قدرة الدولة.

أما فيما يخص النقل والمواصلات، فأشار إلى أنه يمكن أن يُمنح المتقاعدون فوق سن الخمسين أو الستين النقل مجاناً أو خصماً يصل إلى نصف السعر في وسائل النقل العامة أو بين المحافظات، حيث إنه في بعض الدول يتم تقديم النقل المجاني للمسنين (كما في تركيا) أو دخول المستشفيات مجاناً سواء أكانت عامة أم خاصة.

تجارب عالمية

على مستوى الأداء، تبيّن مؤشرات دولية متخصصة، أبرزها مؤشر “Mercer CFA” العالمي، أن دولاً مثل هولندا والدنمارك وآيسلندا تتصدر تصنيفات أنظمة التقاعد من حيث الكفاية والاستدامة والحوكمة.

في المقابل، يواجه العديد من الدول ضغوطاً مالية وديمغرافية متزايدة، ما دفعها إلى رفع سن التقاعد أو ربطه بمتوسط العمر المتوقع، ليقترب في عدد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 65 إلى 67 عاماً.

كما تبرز قضايا التضخم وتذبذب العوائد الاستثمارية كعوامل تؤثر مباشرة في القوة الشرائية للمتقاعدين، وتفرض على الحكومات إعادة تقييم سياساتها التقاعدية.

وبين واقع المتقاعدين في سوريا وتجارب الدول الأخرى، تبدو الفجوة واضحة بين ما هو قائم وما يمكن أن يكون. فبينما تواجه البلاد قيوداً مالية واقتصادية تحدّ من قدرة الدولة على إحداث تحول جذري في منظومة التقاعد، تبقى معالجة أوضاع المتقاعدين أولوية اجتماعية لا تحتمل التأجيل.

ويبدو أن تحسين المعاشات وحده لا يكفي ما لم يُرفق بحزمة سياسات داعمة تشمل الرعاية الصحية، والنقل، والخدمات الأساسية، وتخفيف الأعباء الضريبية.

 

 

الثورة السورية

 

اقرأ أيضاً: رواتب المتقاعدين معاناة متفاقمة.. المصرف العقاري: إحراءات من خارج الصندوق

 

صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page

 

قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen