أخبار الصناعة السورية:
في خطوة تُعد من الأكثر حساسية في مسار إصلاح القطاع المصرفي السوري، أصدر مصرف سوريا المركزي توجيهاً يطلب من جميع المصارف التجارية تسجيل مخصصات تغطي 100% من خسائرها الناتجة عن ودائعها في البنوك اللبنانية، خلال مهلة أقصاها ستة أشهر، وتقديم خطط إعادة هيكلة واقعية.
هذه الخطوة الضرورية سبقنا إليها العراق والأردن في فرض مخصصات على إيداعات مصارفها في لبنان.
ما المقصود بالمخصصات؟
في عالم البنوك، المخصصات هي مبالغ مالية تُقتطع من أرباح المصرف وتُسجَّل كاحتياطٍ لمواجهة خسائر محتملة أو متوقعة. أي أن المصرف يضع جانباً جزءاً من أمواله كـ”درع وقاية” تحسباً لضياع بعض الأصول أو القروض.
وبالتالي، عندما يطلب المركزي السوري من البنوك تخصيص 100% من أموالها المودعة في لبنان، فهو يعني أن هذه الأموال يجب أن تُعتبر خسارة مؤكدة وليست مجرد “مبالغ قيد الانتظار”، ما لم تتم استعادتها لاحقاً وهو احتمال ضعيف.
لماذا اتخذ المركزي هذا القرار؟
الأموال السورية المودعة في المصارف اللبنانية والتي قدرت بحسب رويترز بأكثر من 1.6 مليار دولار هي رقم غير دقيق بالكامل، فهذا الرقم يشمل حوالي 900 مليون تعود للمصرف التجاري السوري، و600 مليون دولار للمصارف الخاصة، غير أن باقي المصارف الحكومية قد يكون لديها إيداعات أيضاً وهو ما يجري التحقق منه عبر المركزي كما علمت.
ومع استمرار الأزمة المالية اللبنانية منذ أكثر من خمس سنوات، أصبح من الواضح أن استرجاع هذه الأموال احتمال ضعيف جداً. غير أن هذا الإجراء من المركزي السوري هو مطالبة محاسبية لا تلغي المطالبة القانونية لهذه الودائع في المصارف اللبنانية.
القرار جاء بهدف:
1– كشف الحقيقة المالية: لم يعد من المنطقي أن تُسجّل البنوك أموالاً مجمدة في لبنان وكأنها قابلة للاستخدام.
2– تنظيف الميزانيات: تحويل هذه الأموال إلى “خسائر” يجعل الدفاتر المحاسبية واقعية، ويمنح صورة دقيقة عن أوضاع البنوك.
3– تعزيز الشفافية: هذه الخطوة تُعيد الثقة بين المصارف والمودعين والمستثمرين المحتملين.
4– التحضير لمرحلة الإصلاح المالي: حيث تسعى سوريا تدريجياً لإعادة ربط نظامها المالي بالأسواق الإقليمية والدولية.
الخطوة ليست جديدة على مستوى المنطقة. فقد سبقت العراق سوريا عندما أجبرت مصارفها على الاعتراف بخسائرها في النظام المالي اللبناني، بهدف كشف الواقع المالي وتهيئة القطاع المصرفي لمرحلة إعادة الهيكلة. كما سبق الأردن سوريا أيضاُ في فرض مخصصات بنسبة 100٪ على ودائع مصارفها في لبنان.
اليوم، يبدو أن دمشق تسير في الاتجاه ذاته، معتبرة أن مواجهة الخسارة أهون من إخفائها.
البنوك بين خيارين: الدمج أو الهيكلة:
القرار سيضع بعض البنوك ذات الخسائر الكبيرة في لبنان أمام اختبار صعب. فمع ضعف السيولة وصعوبة وضع المخصصات المطلوبة، قد تجد نفسها مضطرة إلى الاندماج مع مصارف أكبر أو إعادة الهيكلة أو حتى بيع حصص لمستثمرين جدد.
هذا الحراك المتوقع قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة القطاع المصرفي السوري على أسس أكثر صلابة وشفافية.
إعادة ضبط السيولة: عودة إلى القاعدة السليمة:
يبدو أن الهدف الأعمق للقرار هو إعادة ضبط السيولة في البنوك السورية.
فخلال السنوات الماضية، عانت السوق من نقص حاد في السيولة نتيجة عاملين رئيسيين:
1– سحب المؤسسات الحكومية والوزارات في النظام السابق أموال كثيرة وبصورة متكررة من المركزي دون ضوابط. وهي مشكلة ربما يحلها البنك المركزي عبر طباعة المزيد من العملة لتعويض العجز.
2– تجميد أموال المصارف السورية في لبنان، وهو ما حرم السوق من كتلة نقدية ضخمة كانت تموّل النشاط الاقتصادي.
الآن، ومن خلال “تصفية الحسابات” مع الواقع اللبناني، يريد المركزي أن تبدأ البنوك السورية من صفر نظيف، كما يُقال محلياً “على نظافة”، لتُبنى السيولة على قاعدة واقعية ومستقرة.
أثر القرار على الاقتصاد:
قصير الأجل: سيتسبب القرار بخسائر محاسبية واضحة، وربما بتراجع أرباح بعض المصارف أو تحوّلها إلى خسائر.
لكن على المدى المتوسط، سيؤدي إلى:
– تهيئة بيئة مالية صحية تسمح بإطلاق إصلاحات أوسع وربما تعاونات إقليمية جديدة.
– إعادة هيكلة عبر بيع واندماج مصارف محلية.
– دخول مصارف جديدة والتي أعلنت نيتها الدخول لكنها مازالت تنظر هذا الإصلاح المصرفي.
– قطاع مصرفي أكثر مصداقية أمام الداخل والخارج.
– إعادة الثقة بين البنوك والمودعين.
قرار المركزي السوري أشبه بعملية جراحية مالية: مؤلمة ومكلفة، لكنها ضرورية لإنقاذ الجسد المصرفي
الاعتراف بالخسائر لا يعني الهزيمة، بل هو بداية التصحيح، ورسالة بأن الاقتصاد السوري يريد أن يبني على أرض صلبة لا على دفاتر شكلية.
الدكتور حمود المحمود – رئيس المحتوى في شركة مجرة
اقرأ أيضاً: قريباً.. مديرية لحماية المستهلك مالياً لدى المركزي
صفحتنا على الفيسبوك:https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
