أخبار الصناعة السورية:
نفّذ مصرف سوريا المركزي أول اعتماد مستندي منذ 14 عاماً لصالح الشركة السورية للبترول، بالتنسيق مع أحد المصارف الأمريكية الكبرى، لتمويل صفقة توريد منتجات نفطية من شركة أرامكو السعودية. الخطوة، التي أعلنها المصرف المركزي رسمياً، تمثل عودة إلى أدوات التمويل التجاري الدولية المعتمدة عالمياً، وتفتح مساراً مباشراً لتأمين المشتقات النفطية بعيداً عن الوسطاء والآليات غير الرسمية التي سيطرت على القطاع لسنوات طويلة.
ويأتي الإجراء بعد انقطاع دام أكثر من عقد ونصف، كان خلاله الاعتماد على حلول إسعافية ودفعات نقدية مسبقة عبر وسطاء، مما رفع التكاليف وزاد المخاطر.
استعادة الثقة المصرفية وانتظام الإمدادات
يرى الدكتور حسن الحاري في حديثه لـ”لعين السورية” أن الخطوة تشكل نقطة تحول استراتيجية على الصعيدين المصرفي والاقتصادي. ويوضح أن الثقة المصرفية التي كانت مفقودة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية بدأت تتعزز من خلال إعادة بناء العلاقات مع البنوك الخارجية، خاصة أن البنك المراسل أمريكي.
ويشير إلى أن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة لأن أي تحويل بالدولار في العالم يمر عبر النظام الأمريكي، ما يعني تفعيل نظام الآيبان عبر بنك أمريكي، ويمنح المصارف السورية ثقة أوسع وأماناً مصرفياً أكبر، ويفتح الباب أمام التفويض ببدء العمليات الدولية. ويضيف أن الاعتماد المستندي يتم من بنك إلى بنك مع ضمانات متبادلة، ما يمنح البنوك السورية ثقة أوسع نطاقاً.
أما الدكتور خالد تركاوي فيشرح الجانب العملي بطريقة مبسطة: الاعتماد المستندي هو تعهد بنكي رسمي يضمن حماية حقوق المشتري والمورد، ويُعد الأداة الآمنة والمعتمدة عالمياً في التجارة الدولية.
وكان هذا النظام متوقفاً في سوريا منذ أكثر من 14 عاماً. ويرى أن الانتقال إليه يعني الخروج من أسلوب الدفعات المتفرقة والحلول الإسعافية المعقدة التي كانت تعتمد على وسطاء يفرضون شروطاً قاسية ودفعات نقدية مسبقة، والدخول في جدول توريد منتظم ومستدام من كبرى الشركات العالمية. ويعتبرها بداية تحول من إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار، وإشارة عملية أولى لعودة الثقة بالنظام المصرفي السوري وقدرته على التعامل مع البنوك الدولية.
في المقابل، يصف الدكتور عروة الزعبي لــ”لعين السورية” الخطوة بأنها مهمة وتعيد الثقة بشكل جزئي وتدريجي بالبنك المركزي، وتفتح القناة المصرفية وتوفر أداة تمويل تجاري قابلة للتحقق للشركات المملوكة للدولة عند شراء النفط. لكنه يشدد على أنها «لا تستطيع بمفردها حل مشكلة نقص البنزين»، فالتأثير الفعلي مرهون باستمرار التسويات المصرفية وتنويع مصادر الإمداد.
جودة أعلى وتكاليف أقل مقارنة بالآليات السابقة
يتفق الخبراء على أن التعامل المباشر مع مصادر خليجية، وفي مقدمتها أرامكو، يضمن مشتقات نفطية بمواصفات أعلى. يوضح الحاري أن هذا التوجه يوفر جودة أفضل من المصادر السابقة، مع مصافٍ متقدمة وأسعار أرخص، خاصة في ظل الظروف العالمية الراهنة التي تجعل هذه الدول مستعدة للتوريد بأسعار أقل من السعر العالمي لحاجتها إلى تصريف النفط. ويشير إلى أن البنزين السعودي ممتاز من حيث الجودة والنقاء، ما يجعل المواطن مستعداً لدفع تكلفة معقولة مقابل نفط نظيف بدلاً من أنواع رديئة تحتوي على نسب مرتفعة من الشوائب.
ويركز تركاوي على أن التعامل المباشر مع أسواق وشركات عالمية كبرى يضمن دخول مشتقات بمواصفات عالية تنعكس إيجاباً على كفاءة عمل الآليات ووسائل النقل والمحركات.
أما على صعيد التكاليف، فيؤكد الحاري أن الاستيراد من دولة عربية عبر قنوات رسمية يخفف ضغطاً هائلاً على التكاليف ويلغي عمولات الوساطة، مما يحسن الكفاءة المالية بشكل كبير. ويتفق الزعبي على أن الآليات غير الرسمية السابقة كانت تتطلب وسطاء وتتضمن مخاطر عالية وتكلفة مرتفعة، وأن الاعتماد المستندي كطريقة دفع قياسية دولية يمكن أن يخفض علاوة المخاطر وأسعار الصرف غير الشفافة وتكاليف المعاملات.
غير أنه ينبه إلى أن جزء التوفير الناتج عن انخفاض سعر النفط نفسه يعتمد على شروط المفاوضات التجارية، ولا يوفره البنك بمفرده.
آثار محدودة على سعر الصرف والسيولة
يشير الزعبي إلى أن الخطوة ستقلل الحاجة إلى شراء الدولار من السوق السوداء، مما يساعد على استقرار نسبي لسعر الصرف ويخفف الضغط على الليرة السورية. لكنه يؤكد أنه طالما بقي العجز التجاري الإجمالي كبيراً، سيظل استقرار سعر الصرف محدوداً. أما الحاري فيرى أن العملية تؤثر مباشرة على سعر الصرف، إذ يتم تحصيل الليرة من المواطنين ودفع الدولار للموردين، ما يستدعي فتح اعتمادات تغطي دفعات دورية (ربع سنوية أو نصف سنوية أو شهرية).
ويستبعد استقراراً قريباً لليرة في ظل التضخم المتسارع وهدر القطع الأجنبي عبر الاستيراد.
انعكاس على القطاعات الإنتاجية والحياة اليومية
يمكن أن يخفف توفر الوقود بشكل منتظم وقابل للتنبؤ من توقف المصانع والآلات الزراعية، وفق الزعبي، ويمكّن الصناعات والزراعة من ترتيب الإنتاج. لكنه ينبه إلى أن التكلفة تبقى عاملاً مقيداً طالما بقي الدعم الحالي غير كافٍ، فستظل تكاليف الإنتاج مرتفعة.
ويربط الحاري بين وصول النفط بأسعار أرخص وانخفاض وتيرة التضخم المتسارع وارتفاع معدلات الإنتاج المحلي. فمع انخفاض تكلفة الطاقة والواردات وبقاء الأيدي العاملة رخيصة، يصبح المنتج السوري قادراً على المنافسة في هذه المرحلة. ويضيف أن تأمين مدخلات الطاقة (الفيول والديزل والمازوت) يحفز الصناعة والزراعة والتجارة، ويضمن استقرار القطاع الزراعي الذي ينعكس على بقية القطاعات، ويساهم في تهدئة الشارع في ظل الضغوط التضخمية.
شروط ضمان الاستمرار والتوسع
يجمع الخبراء على أن الخطوة تبقى جزئية وتحتاج إلى استكمال. يدعو الحاري مصرف سوريا المركزي إلى إصدار منشورات تتعلق بأنظمة الامتثال والشفافية ومعايير «اعرف عميلك»، وتطوير البيئة التكنولوجية المصرفية والصرافات، وتسهيل عمل الاعتمادات المستندية ليس فقط للمشتقات النفطية بل لكل الواردات، واستكمال حوار مؤسسي مع المصارف التي تشكل عصب الاقتصاد لتمكينها من لعب دور أكبر.
ويحدد الزعبي متطلبات أدق: تعزيز قدرة البنك المركزي على تلبية متطلبات البنوك المراسلة الدولية (خاصة الأمريكية) في مجال الامتثال ومكافحة غسل الأموال، وإتقان نظام المعلومات والمستندات ومراجعة الشروط وحل النزاعات، وبناء شبكة بنوك مراسلة متعددة بدلاً من الاعتماد على بنك واحد، ثم توسيع نطاق النموذج الناجح من النفط إلى واردات المواد الغذائية والأدوية وغيرها.
ويخلص إلى أن الاتفاق مع أرامكو «لا ينهي المشكلة جذرياً أو بشكل دائم»، فهو مجرد فتح قناة. فحل مشكلة البنزين يتطلب في الوقت نفسه إصلاح المصافي وتنويع مصادر الإمداد ودعماً مالياً مستمراً وتحسين القدرة الشرائية للشعب، وهي أمور تحتاج وقتاً وإصلاحات هيكلية.
بهذا تبدو الخطوة إشارة مشجعة وواضحة إلى عودة تدريجية للقنوات الرسمية وتحسين شروط التوريد والجودة وتقليل الاعتماد على الوسطاء. لكنها تظل بداية مسار أطول يحتاج إلى استمرارية وتنويع وإصلاحات موازية على المستويين المصرفي والاقتصادي، حتى يتحول إلى استقرار ملموس في إمدادات الطاقة والأسواق وحياة المواطنين اليومية.
منير الرفاعي.. العين السورية
اقرأ أيضاً: المركزي ينفذ أول اعتماد مستندي مع مصرف أمريكي منذ 14 عاماً لتوريد النفط
صفحتنا على الفيسبوك: https://www.facebook.com/1462259130470900?ref=embed_page
قناتنا على التلغرام: https://t.me/syrianindstrynews
أخبار الصناعة السورية Industry News
