إعادة هيكلة الدعم الحكومي: هل للبنك الدولي صلة بما تفعله سورية؟

أخبار الصناعة السورية:

ما إن أعلنت الحكومة السورية نيتها استبعاد أسر، قيل إنها ميسورة، من خانة مستفيدي الدعم الحكومي، حتى تعالت الانتقادات الشعبية للمشروع، إما بحجة عدم موضوعية المعايير والأسس المعتمدة في تحديد الأسر المستبعدة، أو بالنظر إلى التوقيت غير المناسب لطرح المشروع، والمتزامن مع الضائقة الاقتصادية الكبيرة التي تعيشها البلاد، وتسببت في انتشار الفقر بين ما يزيد على 90% من السوريين.

إلا أن اللافت كان ما ذهب إليه البعض من مخاوف، فحواها أن يكون المشروع تطبيقاً، بشكل أو بآخر، لوصفة آتية من البنك أو صندوق النقد الدولي، فيما بنى آخرون على هذه المخاوف تحليلات أعمق، فحواها وجود مشروع إقليمي ودولي لحل الأزمة السورية، من بين بنوده إطلاق مشروع لإعادة إعمار البلاد بمشاركة وتمويل من صندوق النقد والبنك الدوليين.

فهل مشروع إعادة توزيع الدعم الحكومي في سوريا يحمل فعلاً بصمات البنك الدولي كما يردد البعض؟ وما هي طبيعة أو مستقبل علاقات سوريا مع البنك الدولي؟

العقد الأقرب في سياساته

مرّت العلاقة بين سوريا ومجموعة البنك الدولي بخمس مراحل منذ العام 1947، وهو تاريخ انضمام سوريا إلى البنك. المرحلة الأولى كانت خلال الفترة الممتدة من العام 1963 لغاية العام 1974، وحصلت خلالها دمشق على أربعة ائتمانات من البنك قيمتها الإجمالية نحو 48.6 مليون دولار.

ثم كانت المرحلة الثانية، وهي الفترة التي أعقبت خروج سوريا عام 1974 من مرحلة الأهلية للاستفادة من موارد المؤسسة الدولية للتنمية (هي جزء من البنك الدولي)، واستمرت حتى العام 1986، وتميّزت بحصول سوريا خلالها على 15 قرضاً من البنك الدولي للإنشاء والتعمير. أما المرحلة الثالثة فقد بدأت مع العام 1986 عندما توقفت سوريا عن سداد مدفوعات خدمة الدين المترتب عليها، وتالياً توقف البنك عن صرف الدفعات المتبقية.

واستمرت هذه المرحلة ستة عشر عاماً، وتحديداً حتى تموز من العام 2002 عندما قامت سوريا بتسوية كل مدفوعات خدمات الديون المتأخرة عليها لصالح البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية، الأمر الذي أعاد تأهيلها للصرف، ولتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العلاقة بين الجانبين، كان قوامها التعاون الفني والاستشاري في قطاعات اقتصادية واجتماعية عديدة، لكن من دون أن تتقدم سوريا خلال هذه المرحلة بأي طلب للحصول على قروض جديدة، رغم وجود مؤشرات مشجّعة على ذلك من قبل إدارات البنك الدولي، بحسب ما يذكر مسؤول اقتصادي سابق.

ومع دخول البلاد في أزمتها المدمرة مطلع العشرية الثانية من القرن الحالي، توقفت تماماً مشروعات التعاون الفني والاستشاري بين الجانبين، بما فيها الزيارات الدورية المعتادة لخبراء البنك إلى سوريا، وذلك كنتيجة مباشرة للعقوبات الغربية التي فُرضت على دمشق، وتصاعدت تدريجياً على مدار عقد من الزمن، ولا سيما أن مدير البنك الدولي هو عادة أميركي الجنسية، فضلاً عن انصراف دمشق إلى تطبيق سياسات وإجراءات اقتصادية تتطلبها مرحلة الحرب.

عموماً، يمكن القول إن أكثر مرحلة كانت فيها السياسات الاقتصادية المطبّقة في سوريا قريبة أو متشابهة في بعض جوانبها مع تلك التي يعتمدها البنك الدولي، هي مرحلة العشرية الأولى من القرن الحالي. ففي تلك المرحلة اعتمدت البلاد سياسة الانفتاح الاقتصادي، فكان أن ألغت احتكار القطاع العام للاستثمار في مجالات عديدة، سمحت بالاستيراد وخفضت رسومه الجمركية، أوقفت العمل بسياسة التسعير الإداري، وأطلقت مشروعاً لإعادة توزيع الدعم الحكومي، اعتمدت نهج اقتصاد السوق الاجتماعي، وغير ذلك.

لكن من المهم الإشارة إلى الملاحظات التالية:

كانت البلاد في تلك المرحلة من أقل دول العالم لجهة مديونيتها الخارجية، وتالياً لم يكن هناك ما يضغط على دمشق لاعتماد سياسات اقتصادية معينة تغازل أحداً. وكما هو معلوم، فإن البنك الدولي يتدخل في شؤون الدول عندما تعجز عن سداد قروضها المستجرة من مؤسّساته، أو عندما يفرض عليها شروطاً وإجراءات مقابل موافقته على منحها بعض القروض، ولا سيما الكبيرة منها.

زيارات خبراء البنك وصندوق النقد لسوريا وتقديمهم استشارات وخبرات فنية، هما جزء من الخدمات المتاحة للدول الأعضاء في البنك، أي إنها لم تكن استثنائية، أو تمهيداً لتنفيذ مشروع ما. مع الإشارة هنا إلى أمرين: الأول أن المساعدات الفنية والاستشارية شملت أكثر من 20 مجالاً خلال العقد الأول الماضي، والأمر الثاني أن الاقتراحات والتوصيات المقدمة من قبل خبراء البنك وصندوق النقد، غير ملزمة بالنسبة إلى الحكومات، باستثناء تلك المدينة للبنك. وفي حالات كثيرة، لم تستجب دمشق لهذه النصائح من قبيل سعر صرف الليرة مثلاً الذي كان يعتقد الخبراء الدوليون أنه واقعي أفضل ممّا هو معتمد رسمياً.

إن وجود بعض الشخصيات المؤيدة لسياسات البنك الدولي أو ذات التوجه الليبرالي في بعض مواقع القرار الاقتصادي، لا يعني أن سوريا كدولة كانت تستهدي دوماً باقتراحات بعثات البنك الدولي، بدليل رفض مؤسسات حكومية سورية عدة الأخذ بتوصيات بعض خبراء البنك، كمؤسسة التأمينات الاجتماعية، التي رفضت إداراتها في العام 2008 توصية أحد خبراء البنك بضرورة خفض المعاشات التقاعدية لتصبح بحدود 60% من الراتب، بحجة المحافظة على ديمومة المؤسسة، ومنعها من الانهيار المتوقع لها في العام 2017، فيما لو استمرت في منح المتقاعدين نسبة 70%. ولم تكتف المؤسسة برفض تنفيذ تلك التوصية، بل قامت لاحقاً برفع النسبة إلى 75%.

تباين مصالح الطرفين وأهدافهما، فالانفتاح الاقتصادي الذي اعتمدته سوريا آنذاك، لم يكن يسير بوتيرة واحدة في جميع المجالات والقطاعات الاقتصادية لأسباب ومصالح داخلية وخارجية كثيرة. في حين أن سياسات البنك الدولي المشهورة تتطلب تنفيذاً متوازناً، ومتسارعاً، وشفافاً لإصلاحات هيكلية عميقة لا سطحية.

ليس أكثر من عجز موازنة!

أما اليوم، فإن الحديث عن وجود صلة للبنك الدولي في ما تعتزم الحكومة السورية تنفيذه من “إصلاحات” في ملف الدعم، لا يعدو كونه مجرد تحليلات، تستند إما إلى مخاوف اقتصاديين من خطورة نتائج السياسات الحكومية الراهنة، أو إلى قراءات سياسية تحاول استنتاج ملامح المنطقة عموماً في المرحلة المقبلة، وما أكثر تلك القراءات، خاصة بعد إعادة إحياء مشروع خط الغاز العربي بغية إيصال الغاز المصري إلى لبنان بتمويل من البنك الدولي.

وتأكيداً لما سبق، نذكر المؤيّدات التالية:

الأساس الذي تنطلق منه الحكومة حالياً في مشروعها الخاص باستبعاد أسر من خانة الدعم، يتمثل أولاً وأخيراً في التخفيف من نسبة عجز الموازنة العامة للدولة، والمقدر في هذا العام بنحو 31% مقارنة مع 29% في العام 2021، وليس إعادة النظر وتعديل فلسفة الدعم، والذي يعتبره كثيرون جزءاً من عقد اجتماعي مرّ عليه أكثر من خمسة عقود، وإيقاف العمل بالدعم، يعني الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد.

إذا كانت الحكومة السورية تريد مغازلة البنك الدولي لتشجيعه على المشاركة في إعادة الإعمار أو الحصول على قروض مالية منه، فإن هناك طريقاً أسهل من ذلك، يتمثل في مغازلة دمشق لواشنطن مباشرة، ومكاسبها عندئذ ستكون أكبر وأشمل.

السير في مشروع تخفيض تكلفة الدعم الحكومي، تقابله حالياً إجراءات وسياسات حكومية تربك المشهد الاقتصادي السوري من قبيل الإجراءات الإدارية لتثبيت سعر الصرف، وترشيد المستوردات، وغض الطرف عن النشاط المتزايد للقطاع غير الرسمي، ونمو ظاهرة أثرياء الحرب، وهي في النهاية إجراءات وأنشطة تتعارض مع سياسات البنك الدولي.

ليست دمشق في مثل الظروف التي تعيشها اليوم في وارد إعادة فتح أبواب مؤسّساتها من جديد أمام خبراء البنك الدولي، وتمكينهم تالياً من الإمساك بكثير من الخيوط، وحل لغز إدارة البلاد للعديد من الملفات الاقتصادية خلال فترة الحرب.

عندما اتفقت مصر، الأردن، لبنان، وسوريا على إعادة صيانة تأهيل خط الغاز العربي، خاصة في مقطعه السوري، لتمرير الغاز المصري إلى لبنان، لم تلجأ دمشق إلى البنك الدولي لتمويل عمليات الصيانة التي وصلت إلى 5.5 ملايين دولار، رغم أن البنك كان حاضراً في الملف لتمويل شراء لبنان للغاز المصري والكهرباء الأردنية، بينما طرقت دمشق باب المنظمات التنموية التابعة للأمم المتحدة.

علاقة ليست محرّمة!

على خلاف ما هو شائع، فإن العلاقة مع البنك الدولي ليست محرمة أو سلبية بالمجمل، ما دامت الدولة المعنية حريصة على استقلالية سياساتها الاقتصادية. لكن هذه العلاقة تصبح خطرة عندما توافق الدولة المعنية على شروط معينة لضمان حصولها على قروض من البنك، بحيث تبيح تلك الشروط للبنك التدخل في سياسات الدولة الاقتصادية، سواء أثناء صرف دفعات القروض أم عندما تعجز الدولة عن سداد الأقساط المترتبة عليها.

وفي الحالة السورية، فإن استفادة البلاد من الخدمات التي يقدمها البنك، تبدو أمراً طبيعياً لدولة عضو في البنك منذ أكثر من سبعين عاماً، بما في ذلك الحصول على قروض معينة، والدليل على ذلك أن البلاد استفادت خلال فترة السبعينييات والثمانينيات من 15 قرضاً، عندما كانت تطبّق النهج الاشتراكي، ومع ذلك لم ترتهن بسياساتها الاقتصادية في تلك المرحلة للبنك الدولي، ولذلك من المستبعد أن تسمح دمشق في علاقتها المستقبلية مع البنك بأيّ تدخل مباشر له في سياساتها الاقتصادية، لأنها تدرك أن ذلك سيكون مدخلاً للتأثير في جوانب عديدة من سياساتها العامة، بما في ذلك خياراتها السياسية.

الميادين نت _ زياد غصن

escort bursa, atasehir escort, bursa escort bayan, escort izmit, escort izmit bursa escort, sahin k porno kayseri escort eskisehir escort Google
Powered by : FullScreen