صناعة الحرير.. مهرجانات وخطط متواضعة؟

30/8/2018

ترافقت شكاوى المربين لدودة القز، في منطقة الدريكيش بشكل خاص، مع إجراءات التحضير لمهرجان «المياه والحرير» بالدريكيش، والذي تم افتتاح فعالياته بتاريخ 16/8/2018.

فحال الحرير، الذي سُميّ المهرجان باسمه، مأساوي ومتراجع في المنقطة منذ عقود، سواء ناحية أعداد المربين للقز، أو من حيث تراجع أعداد أشجار التوت، أو من حيث توقف شركة الحرير، وما بين كل ذلك من أشكال للربط بين الإنتاج والتصنيع والتصريف والتسويق.

البيوض مجانية والتصريف كيفي

الشكاوى الأخيرة لمربي القز المنتج للحرير، سبق وأن تداولتها العديد من وسائل الإعلام اعتباراً من مطلع شهر أيار الماضي ولغاية افتتاح المهرجان، وما زالت مستمرة، حيث تمحورت بشكل خاص حول عدم الالتزام باستلام وشراء محصولهم المتمثل بشرانق الحرير، ووقوعهم فريسة الاستغلال من قبل بعض التجار على مستوى سعر المبيع الزهيد الذي فُرض عليهم.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن البيوض تم توزيعها مجاناً على المزارعين المربين، من قبل مديرية الزراعة، على أن يكون للمربي حرية التصرف والتصريف، وذلك حسب ما صرح به مدير زراعة طرطوس، مطلع آب الحالي عبر بعض وسائل الإعلام، والذي أضاف: إن كل علبة بيوض تنتج 35 كغ من الشرانق الحريرية، مؤكداً على استمرار الدعم.

لمحة تاريخية

يعتبر إنتاج الشرانق وصناعة الحرير الطبيعي من الأنشطة الاقتصادية، الزراعية والحرفية والصناعية، ذات الطابع التراثي التاريخي، والمتغولة في البعد الثقافي الاجتماعي في سورية كذلك الأمر.

فمن في العالم، وليس في سورية فقط، لا يعرف أو لم يسمع بالبروكار والدامسكو والأغباني، تلك الصناعات التي تعتمد على الحرير الطبيعي المنتج محلياً، وتفننت فيها أيدي الصناع السوريين عبر توشيته بالخيوط الذهبية، والرسوم والنقوش والزخارف الملونة، والتي اكتسبت شهرتها من خلال نوعيتها ومواصفاتها وجودتها وجمالها، ما أتاح لها أن تغزو الأسواق لتحتل مكانتها العالمية التي لا تضاهيها فيها أية صناعة أخرى شبيهة.

كما أن هذه الصناعة ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه من حرفية وتفنن وذوق وانتشار وتوسع ومزايا، لو لم تكن مستلزمات إنتاجها، وخاصة شرانق دودة القز، قد حظيت بالكثير من الامتيازات والعناية، اعتباراً من شجرة التوت التي تعيش عليها هذه الشرانق، وليس انتهاءً بالفلاح المزارع الذي يقوم برعايتها والاهتمام بها وصولاً لبيعها للصناع والحرفيين، حيث كان الفلاح السوري ينتج الشرانق ذات النوعية الجيدة، وبكميات كبيرة أيضاً.

ولعل الموقع الجغرافي والطبيعي لسورية ومناخها، كان له الدور الهام على مستوى زيادة الإنتاج، سواء للشرانق التي تعيش على التوت، أو للحرير المصنع والمزركش، وصولاً لكسب الجولات التنافسية في الأسواق العالمية.

أما الأمر الأكثر أهمية من كل ذلك فهو: أن هذه الصناعة، الزراعية الخبيرة والحرفية الماهرة، كانت تستقطب الكثير من الأيدي العاملة في هذين المجالين، وعلى هوامشهما، كما أنها تحمل في طياتها قيمة اقتصادية مضافة في الوقت نفسه، لذلك تربعت على عرش الصناعات التقليدية المنافسة تاريخياً.

تراجع وانحسار

واقع الحال يقول: إن هذه الصناعة تعرضت للكثير من الضربات والصدمات الموجعة اعتباراً من النصف الثاني من القرن الماضي، ما أدى بالنتيجة لتراجعها وانحسارها، اعتباراً من تراجع أعداد أشجار التوت، مروراً بانخفاض أعداد الفلاحين المربين للقز، وصولاً إلى توقف شركة الحرير، وتراجع أعداد الحرفيين والصناعيين العاملين في هذه الصناعة، بالترافق مع زيادة انتشار وتوسع الصناعات التي تعتمد على الحرير الصناعي، والمنافسة مع المنتجات الشبيهة المستوردة.

هذه الحال المتردية لم تخرج هذه الصناعة من حيز التنافس فقط، بل كان لها الكثير من الآثار الجانبية الأخرى، لعل أهمها: خروج العاملين بها من دائرة العمل والإنتاج، إلى حيز البطالة والتهميش، ما يعني أن آلاف الأسر فقدت موارد رزقها تباعاً، كما فقد الاقتصاد الوطني تلك الصناعة المنافسة ذات القيمة المضافة.

أشار تقرير لمديرية وقاية النبات حول واقع تربية دودة الحرير، تم عرضه على اللجنة الزراعية في طرطوس في عام 2012، وتداولته وسائل الإعلام، أن: «الإنتاج تراجع بشكل كبير ورافقه تراجع المساحة المزروعة بأشجار التوت التي كانت تقدر عام 1998 بــ /340/ هكتاراً بينما بلغت المساحة الحالية بضعة هكتارات فقط، كما استمر إنتاج الحرير بالتراجع، ففي عام 1992 بلغ الإنتاج /70/ طناً، وفي عام 1999 وصل الإنتاج إلى /26/ طناً، بينما في عام 2010 أصبح الإنتاج /1,9/ طن، واستمر بالتراجع إلى أن قدرت كمية الحرير العام الماضي 2011 بأقل من طن واحد، بعد أن كانت سورية في السنوات الماضية تحتل المرتبة الخامسة بين دول العالم المنتجة للحرير».‏

ومن الأسباب التي أدت لهذا التراجع المطرد، بحسب المديرية بحينه:

منافسة الحرير الصناعي للحرير الطبيعي.

ارتفاع تكاليف إنتاج الحرير.

منافسة بعض الأشجار المثمرة (حمضيات– زيتون- تفاح) والتوسع بها على حساب شجرة التوت.

صعوبة تسويق منتجات دودة الحرير.

استمرار الاعتماد على الأساليب التقليدية بتربية الحرير.

استبدال تربية دودة الحرير بزراعة محصول التبغ واقتصار التربية سابقاً على موسم واحد.

توقف شركة الحرير الطبيعي بالدريكيش التابعة لوزارة الصناعة، عن العمل عام 2008 ومعمل الحرير التابع للقطاع الخاص.‏

ولعل ما سبق كله من أسباب، لم يكن إلا نتيجة للسياسات الليبرالية التي تم اعتمادها وتبنيها حكومياً منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن.

خطة متواضعة طويلة الأمد

مطلع العام الحالي تم الكشف عن خطة حكومية من أجل إعادة إحياء تربية دودة الحرير، والتي سيتم تنفيذها على مراحل خلال 10 سنوات، وبكلفة تقديرية 1,2 مليار ليرة سورية، ترصد اعتماداتها السنوية وفقاً لبرنامج تنفيذي زمني، بين كل من وزارات الزراعة والمالية مع هيئة التخطيط والتعاون الدولي، ويبدأ ذلك اعتباراً من تأمين وتوزيع غراس التوت مجاناً لمراكز تربية دودة الحرير في محافظات (طرطوس- حماة- اللاذقية).

الخطة تطمح بنتائج المرحلتين الأولى والثانية منها، ومدتها 5 سنوات، إلى إنتاج ما يقارب 126 طن شرانق، أي ما يعادل 20 طناً من الحرير تنتج عن تربية 4500 علبة بيوض حرير، وهاتان المرحلتان كافيتان لإعادة تشغيل معمل الحرير بحالته الفنية الحالية، وذلك بحسب ما صرح به معاون وزير الزراعة عبر إحدى الصحف الرسمية مطلع العام، مضيفاً: بأن المرحلة الثالثة، ومدتها 5 سنوات، سيتم خلالها زراعة 150 هكتاراً من غراس التوت، ليصبح مجموع المساحة 300 هكتار وذلك ضمن الخطة التشجيرية للوصول إلى إنتاج ورق توت يكفي لتربية 9000 علبة بيوض، تعطي بحدود 300 طن شرانق، أي: ما يعادل 42 طناً من خيوط الحرير الخام.‏‏

على الرغم من أهمية الخطة أعلاه وضرورتها، عسى يعاد الألق للحرير الطبيعي السوري والصناعات والحرف المرافقة له، إلا أن الجلي فيها أن قمة طموحها، بعد عشر سنوات من الآن، هو: الوصول إلى إنتاج 42 طناً من خيوط الحرير الخام، أي: تقريباً نصف كمية ما كان يُنتج مطلع تسعينيات القرن الماضي، بداية التراجع والانحسار.

أما الأهم في المرحلة الراهنة، وريثما تظهر نتائج الخطة أعلاه، فهو تقديم ما يلزم من دعم حقيقي للمربين المستمرين بعملهم وإنتاجهم، وخاصة على مستوى التسويق وتخفيض التكاليف عليهم، من أجل تشجيعهم على الاستمرار بعملهم، وكي يفرحوا ويسعدوا فعلاً بمهرجانات «الحرير والمياه» على أرضهم.قاسيون

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*